تنطلق اليوم الأربعاء، في العاصمة الروسية موسكو أعمال القمة الروسية – الأفريقية الثالثة، وسط حراك دبلوماسي مكثف يعكس طبيعة الاستقطاب الدولي الراهن. وفيما تسعى موسكو من خلال هذه القمة إلى مد جذور التعاون مع القارة السمراء، يتوجه فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي لترؤس الوفد المصري، في مشاركة هي الثالثة لسيادته، مما يضع الدور المصري تحت مجهر التحليلات الإعلامية، الروسية منها والغربية، والتي تتباين في قراءتها لأهداف القمة ومخرجاتها.
كسر العزلة وبناء عالم متعدد الأقطاب
تُجمع وسائل الإعلام الروسية المقربة من الكرملين (مثل تاس وريا نوفوستي) على أن انعقاد القمة في موسكو يمثل صفعة دبلوماسية لجهود “العزل الدولية” التي تحاول القوى الغربية فرضها على روسيا، معتبرة أن حجم المشاركة الواسع في القمة يبرهن عملياً على فشل هذه الاستراتيجية. وتركز التغطية الروسية على الأبعاد التالية:
الشراكة الاستراتيجية: الترويج لنموذج تعاون يقوم على الندية واحترام السيادة، بعيداً عن الشروط السياسية والمشروطية الاقتصادية التي يفرضها الغرب.
البوابة المصرية: تنظر الصحافة الروسية إلى مصر كحليف استراتيجي أول وثقل لا غنى عنه لدعم السياسة الروسية في أفريقيا، مستشهدة بمشروعات عملاقة كالممر الصناعي الروسي في السويس ومحطة الضبعة النووية.
الاستقلال المالي: تسليط الضوء على نمو التبادل التجاري بالعملات المحلية (الروبل والجنيه والعملات الأفريقية) كخطوة نحو تقويض هيمنة الدولار.
مصر في قلب التوازنات
يبرز التواجد الرئاسي الدور المصري كنموذج لـ “الدبلوماسية البرغماتية المتوازنة” في الشرق الأوسط وأفريقيا، مصر تفتح ذراعيها للجميع من أجل التعاون والعمل لمستقبل الأجيال القادمة: ويمكن تلخيص أهمية الدور المصري كما تراه، وسائل اعلام غربية، في أن انخراط مصر في قمة موسكو وعضويتها في تجمع “بريكس” لا يعودان بالضرورة إلى رغبة في معاداة الغرب، بل يعكسان استراتيجية مصرية ثابتة لتنويع الشراكات، حيث تحافظ القاهرة في الوقت نفسه على علاقاتها العسكرية والاقتصادية الوثيقة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
صوت أفريقيا المتزن
يمنح ثبات الحضور المصري رفيع المستوى في القمم الروسية الأفريقية شرعية دبلوماسية للمنتدى، وتنظر الصحافة الدولية إلى كلمة مصر المرتقبة في الجلسة العامة كصوت يمثل تطلعات القارة في التنمية والحلول السلمية للنزاعات، بعيداً عن الصراعات الصفرية بين المعسكرين الشرقي والغربي.
ويشير المحللون إلى أن القمة الحالية تعكس نجاح موسكو في الانتقال من التعهدات السياسية العامة إلى مشروعات تنموية مؤسسية ملموسة، مدعومة بآليات دفع مستقلة بالعملات المحلية لتجنب العقوبات الغربية.
يؤكد محللو قطاع الطاقة في موسكو أن مشروع محطة الضبعة النووية في مصر يمثل النموذج المثالي لنقل التكنولوجيا الروسية. وتعتبر الأوساط الروسية أن نجاح هذا النموذج هو ما شجع دولاً أفريقية أخرى (مثل مالي وبوركينا فاسو) على توقيع اتفاقيات نووية مماثلة كبديل للشركاء الغربيين.
الخلاصة
تبدو القمة الروسية – الأفريقية الثالثة استكمالا وتدعيما للتعاون مع روسيا في العقد الأخير، وبينما تراهن موسكو على الخروج من عزلتها التي فرضتها عليها حربها ضد أوكرانيا، تراقب العواصم الغربية هذا التمدد بقلق، غير أن حضور القوى الإقليمية الكبرى مثل مصر تؤكد أن البقاء والريادة في النظام العالمي الجديد يتطلبان مرونة دبلوماسية قادرة على تحويل الاستقطاب الدولي إلى فرص للتنمية المستدامة والأمن الإقليمي.
الرئيسية

