أيمن حامد بدر
يشهد عالم اليوم تحولات جيوسياسية متسارعة، تعاد فيه صياغة أقطابه الاقتصادية والسياسية، وفي خضم الزحام الجاري وسياسة المحاور المتقلبة بين الشرق والغرب، تبرز الدولة المصرية كنموذج فريد في “الدبلوماسية الذكية” وصياغة الاستقلالية الإستراتيجية. لم تكن هذه المكانة وليدة الصدفة، بل جاءت نتاجاً مباشراً للرؤية الثاقبة والمجهودات الدؤوبة لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي تمكن بحنكة سياسية رفيعة وثقة كبيرة في الدور المصري على كافة الأصعدة، من قيادة دفة العلاقات الخارجية المصرية نحو آفاق غير مسبوقة.
تجلى هذا النجاح الإستراتيجي في قدرة القاهرة على تحقيق معادلة صعبة في العرف السياسي: الاندماج الكامل والفاعل كعضو أساسي في تكتل “بريكس” الواعد، وفي الوقت نفسه الحفاظ على علاقات تاريخية وراسخة، وشراكات إستراتيجية، وتفاهمات عميقة مع المعسكر الغربي ممثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
أولا: الثقة الدولية المطلقة: مصر صمام أمان التهدئة والوساطة الإقليمية
إن الارتكاز الأهم لحنكة القيادة السياسية المصرية يتجسد في تحويل القاهرة إلى شريك لا غنى عنه لكافة القوى العظمى شرقاً وغرباً، وذلك بفضل الثقة المطلقة والراسخة التي توليها أطراف الصراعات الإقليمية والدولية للوساطة المصرية، التي تؤمن بحق بالحوار وتسعي إليه بصدق. لم تكن الدبلوماسية المصرية يوماً طرفاً في تأجيج النزاعات، بل فرضت نفسها كصوت عاقل، حيادي وموثوق، قادر على صياغة التهدئات الصعبة وإدارة أعقد الملفات الساخنة في الشرق الأوسط وأفريقيا. وتتجلى هذه الثقة في محاور عدة:
الوساطة في غزة ومحيطها:
تقود مصر، بتنسيق دائم ومباشر مع الإدارة الأمريكية والشركاء الإقليميين، جهوداً مضنية ومستمرة لإنهاء الصراعات وحقن الدماء، حيث يجمع المجتمع الدولي على أن القاهرة هي الطرف الوحيد الذي يمتلك الأوراق الحقيقية والقدرة اللوجستية والسياسية لإنفاذ التهدئة وضمان تدفق المساعدات الإنسانية.
احتواء أزمات الجوار المباشر:
يمتد الدور المصري الحيوي إلى الملفين الليبي والسوداني، حيث تحظى التحركات المصرية بقبول واسع من مختلف الأطياف المتنازعة، لإدراكهم أن الرؤية المصرية تنطلق من مبدأ ثابت وهو الحفاظ على وحدة المؤسسات الوطنية للدول ورفض التدخلات الخارجية الهدامة.
محورية الدور في الملاحة الدولية:
في ظل اضطرابات البحر الأحمر الحالية، تبرز حنكة الرئيس السيسي في تنسيق المواقف مع القوى الكبرى والشركاء الإقليميين لحماية حركة التجارة العالمية، مع الحفاظ على التوازن السياسي الذي يمنع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة.
مشروعات الربط والطاقة: عوائد الشراكة الإستراتيجية الشاملة مع أوروبا
بالتوازي مع الاندماج الفاعل في تكتل “بريكس” واجتذاب استثمارات قادمة من الهند والصين وروسيا، نجحت مصر في ترفيع علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي إلى مستوى “الشراكة الإستراتيجية والشاملة”، والتي تُرجمت إلى حزم تمويلية واستثمارية ضخمة تجاوزت المليارات، مع التركيز على مشاريع هيكلية تعزز مكانة مصر كمركز إقليمي لتداول الطاقة:
مشاريع الربط الكهربائي العملاقة: تقود مصر خطوات متسارعة في مشروع الربط الكهربائي مع اليونان (GREGY)، والذي يهدف إلى تصدير الطاقة النظيفة والمتجددة (الرياح والطاقة الشمسية) المنتجة في مصر مباشرة إلى قلب أوروبا، مما يجعل القاهرة شريكاً رئيساً في تأمين أمن الطاقة الأوروبي المستقبلي.
منتدى غاز شرق المتوسط: تواصل مصر القيام بدورها الإستراتيجي كمنصة رئيسية لإسالة وتصدير الغاز الطبيعي إلى الأسواق الأوروبية، مستغلة بنيتها التحتية الفريدة في محطتي إدكو ودمياط، مما يمنحها ثقلاً جيو-اقتصاديًا هائلاً في الحسابات الأوروبية.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كملتقى عالمي: نجحت الرؤية الرئاسية في تحويل محيط القناة إلى ساحة تكامل؛ فبينما تتوطن الاستثمارات الآسيوية في قطاعات التصنيع، تقود الشركات الأوروبية استثمارات ضخمة في توليد الهيدروجين الأخضر والأمونيا الخضراء، لتصبح مصر نقطة تلاقي مصالح الشرق والغرب.
استشراف المستقبل: مرونة وثبات في عالم متغير
ويبدو التحدي الأكبر الذي واجهته الدبلوماسية المصرية لم يكن أبدا التوازن في أوقات السلم، بل الحفاظ على هذا التوازن وسط أمواج الحروب التجارية والنزاعات العسكرية الدولية. وهنا تظهر العبقرية الإستراتيجية؛ حيث لم تُحسب مصر يوماً على محور ضد آخر، بل ظلت متمسكة بدورها التاريخي كقوة إقليمية رشيدة تسعى لصياغة حوكمة عالمية عادلة تضمن للدول النامية حقها في التنمية والصمود الاقتصادي.إن مجهودات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي وضعت مصر في المكانة التي تليق بتاريخها وثقلها الجغرافي والبشري؛ دولة قوية، قادرة، تمد يد الشراكة للجميع، وتفرض احترام مصالحها وسيادتها الوطنية في كافة المحافل الدولية، شرقية كانت أم غربية.
الرئيسية






