تدخل إسرائيل غداً الثلاثاء أصعب وأخطر انتخابات تشريعية في تاريخها؛ انتخابات تتجاوز صراع المقاعد البرلمانية وتشكيل الحكومة، لتمس مباشرة هوية الدولة، وسلامها الداخلي، ومستقبلها السياسي في العقود المقبلة. وتأتي هذه الجولة وسط استقطاب حاد يقسم المجتمع عمودياً بين معسكرين، يرى كل منهما في فوز الآخر تهديداً وجودياً حتمياً! ملفات عديدة داخلية وخارجية سوف تلعب دورا في التصويت. لكن المرجع أن هذه الانتخابات ستزيد حدة الهوة بين المعسكرين، وربما تؤجل نتائجها الحسم إلى انتخابات جديدة في شهر مارس المقبل!
لكن تبدو هذه الجولة الاستثنائية محكومة بأربعة أبعاد وصدمات جديدة أعادت ترتيب المشهد في الساعات الأخيرة:
حرب إيران المفتوحة وبناء الائتلاف الحرج:
لم تعد التجاذبات مقتصرة على غلاف غزة أو جبهة الشمال؛ بل تصدرت الساعات الأخيرة خلافات حادة ومكتومة بين رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والمؤسسة العسكرية بشأن إدارة المواجهة المباشرة مع إيران. وبينما يطرح نتنياهو هذه العمليات العسكرية كإنجازات تاريخية لليمين الحاكم، ترى المعارضة والمؤسسة الأمنية السابقة فيها مخاطر استراتيجية غير محسوبة تُعمق عزلة الدولة الدولية.
الظل الثقيل لأحداث السابع من أكتوبر:
يمثل هذا التاريخ المحور الزلزالي الأعمق في حملات الدعاية؛ حيث يواجه نتنياهو هجوماً شرساً من قادة العسكر السابقين لرفضه الكامل إقامة لجنة تحقيق رسمية والاعتراف بالمسؤولية، في حين يعيد حزب الليكود توظيف تداعيات الحرب رافعاً شعارات قومية متطرفة كأداة لحشد القواعد.
التدخل الخارجي ودعم “ترمب”:
شهد اليوم الأخير للحملات الانتخابية دخولاً قوياً للرئيس الأمريكي دونالد ترمب على خط الأزمة، مجدداً دعمه المباشر والعلني لنتنياهو، ومطالباً إياه بالمضي قدماً في العمليات العسكرية حتى إتمامها، وهو ما استغله اليمين كأوراق ضغط رابحة لترجيح كفته أمام تيار الوسط.
صعود حزب “يشار” وتفتت اليمين:
تشير آخر استطلاعات الرأي المغلقة الصادرة قبل الحظر الإداري إلى مفاجأة مدوية؛ حيث نجح حزب “يشار” (المشارك لأول مرة) بقيادة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، في التقدم كأكبر حزب منفرد متخطياً الليكود بزعامة نتنياهو، مدعوماً برغبة واسعة لدى العلمانيين والوسط العسكري في تغيير القيادة السياسية.
خريطة الأحزاب المشاركة وفرص المقاعد:
أسفر إغلاق كشوفات لجنة الانتخابات المركزية عن خريطة برلمانية مبعثرة تشهد تنافس 37 قائمة برلمانية، يُتوقع نجاح 13 منها فقط في عبور عتبة الحسم (3.25%)، وجاءت القوى البارزة على النحو التالي:
حزب الليكود: النواة الصلبة لمعسكر الائتلاف الحاكم بقيادة نتنياهو، والذي أحكم سيطرته على القائمة الانتخابية لضمان بقائه في صدارة المشهد وتأمين المقربين منه.
حزب “يشار” (استقامة): بقيادة غادي آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الأسبق، الذي ينافس من موقع المسؤولية الأمنية الصارمة ويقود قائمة “التغيير”.
تحاف “معاً”: التجمع الأكبر لتيار الوسط واليسار الليبرالي الذي يدمج حزبي يائير لبيد ونفتالي بينيت لتقديم بديل مشترك لليكود.
كتلة “الديمقراطيون”: بقيادة يائير غولان لتمثيل اليسار العسكري العلماني ووريث حزب العمل التقليدي.
الصهيونية الدينية وعظمة يهودية: بقيادة سموتريتش وبن غفير، حيث فشل نتنياهو في دمجهما بقائمة موحدة، مما يهدد بتشتيت أصوات أقصى اليمين.
حزب “شعبك إسرائيل”: الحزب الوافد حديثا للساحة السياسية بقيادة العميد المتقاعد عوفر فينتر، والذي يمثل الحصان الأسود للاستطلاعات عبر سحب أصوات القواعد المتطرفة مباشرة من الصهيونية الدينية.
الأحزاب الحريدية (“شاس” و”يهدوت هتوراه”): القوى الدينية المتمسكة بحماية امتيازات مجتمعاتها ومقاومة أزمة قانون التجنيد العسكري.
حزب “إسرائيل بيتنا”: بقيادة أفيغدور ليبرمان المتمسك بخطه اليميني العلماني الصارم والرافض للامتيازات الدينية.
القوى العربية: وتخوض السباق بقائمتين ومرجعيتين؛ الأولى هي “القائمة المشتركة” (تحالف الجبهة والعربية للتغيير والتجمع)، بجانب “القائمة العربية الموحدة” بقيادة منصور عباس.
معضلة المقاعد العربية.. خيار “الدعم من الخارج”
تضع الأرقام الاستطلاعية القوائم العربية مجدداً في موقع “صانع الملوك”، حيث يتجه قادة معسكر التغيير (الوسط واليسار) حال فوزهم بأغلبية ضئيلة إلى الاعتماد على الأحزاب العربية لتأمين “شبكة أمان برلمانية” من الخارج لتمرير تنصيب الحكومة عبر التصويت لها وحجب الثقة عن نتنياهو، دون إشراكهم فعلياً في الحقائب الوزارية أو الائتلاف الرسمي.
ويعود هذا التوجه لحسابات معقدة؛ فالوسط يخشى حملات التخوين ونزع الشرعية السياسية التي يتربص بها معسكر اليمين إذا ضمت الحكومة وزراء عرب. فضلاً عن الفجوة الأيديولوجية العميقة بين الطرفين، مما يجعل الجلوس المشترك لقادة عسكريين مثل آيزنكوت مع النواب العرب على طاولة مجلس الوزراء المصغر (الكابينت) أمراً مستحيلاً، لتقتصر العلاقة على صفقات برلمانية مؤقتة تدعم ميزانيات البلدات العربية مقابل تمرير تنصيب الحكومة.
انسداد رقمي واستشراف للمسارات المقبلة
تؤكد البيانات أن معركة تحقيق رقم الأغلبية “61 مقعداً” (من أصل 120) لا تزال مستعصية على الطرفين؛ حيث يقف معسكر نتنياهو والشركاء الدينيين عند حدود 50 إلى 57 مقعداً في معظم التقديرات، بينما تعجز أحزاب المعارضة منفردة عن حسم الحكم المستقر دون اللجوء لخيارات صعبة.
أمام هذا الانسداد الدستوري، يستشرف المراقبون مسارين غداً عقب إغلاق الصناديق:
سيناريو الشلل والجمود السياسي: العودة الحتمية الفورية إلى نفق الانتخابات المتكررة؛ نظراً لعجز أي من المعسكرين عن بناء ائتلاف مستقر، مما يترك الدولة في فراغ سياسي لأسابيع وأشهر طويلة.
سيناريو العنف والصدام الميداني: وهو الخطر الأشد قتامة؛ نظراً لأن ثلث الناخبين لم يحسموا قرارهم حتى الساعات الأخيرة وسط شحن إعلامي غير مسبوق، فإن طعن أي تيار يمينى في شرعية النتائج أو اتهام المعارضة بالصعود بناءً على الأصوات العربية، قد يفجر صدامات مباشرة وعنيفة في الشارع تنقل الصراع من أروقة الكنيست إلى مواجهة مفتوحة تهدد السلم الداخلي بشكل غير مسبوق.
الرئيسية






