أيمن حامد بدر
فتحت قبل قليل، اليوم الأحد، مراكز الاقتراع في مدن بلغاريا أبوابها أمام الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية ( جولة الإعادة) أمام ملايين الناخبين للإدلاء بأصواتهم في واحدة من أكثر جولات الإعادة الرئاسية حساسية وتعقيداً في تاريخ البلاد المعاصر. وشهدت الجولة الأولى عزوفا من الناخبين، أثار قلقا كبيرا في الأوساط السياسية، رغم أهمية الانتخابات التي تضع بلغاريا في قلب تجاذبات جيوسياسية واقتصادية بالغة الخطورة، تعيد تشكيل توازنات القوى في منطقة البلقان والبحر الأسود، على خلفية الصراع الروسي الأوروبي الذي اشتعل منذ اندلاع حرب روسيا أوكرانيا، قبل ما يزيد عن أربع سنوات.
يتنافس في جولة الإعادة الحاسمة اليوم كلا من إيليانا إيوتوفا، نائبة الرئيس السابق، والرئيس المؤقت الحالي للبلاد، وأندري غيوروف، رئيس الوزراء الانتقالي السابق في مطلع عام 2026، والنائب السابق لمحافظ البنك المركزي البلغاري. إيوتوفا وغيوروف يمثلان الاستقطاب البلغاري في أوضح صوره. رؤيتان متعارضتان تماماً لمستقبل البلاد في سياق الصراع الأكبر في قلب القارة العجوز بين المعسكر الروسي والاتحاد الأوروبي.
معسكر المحافظين
إيليانا إيوتوفا، وكانت الرئيسة المؤقتة للبلاد، بعد استقالة الرئيس السابق رومن راديف، الذي ترك المنصب ليشارك في الانتخابات البرلمانية ويفوز بها ليصبح رئيس الوزراء الحالي لبلغاريا، تسعى للفوز بولاية كاملة لتدخل التاريخ كأول امرأة تُنتخب رئيسا لبلغاريا.
إيوتوفا مرشحة مستقلة مدعومة من لجان مبادرة وقوى مقربة من موسكو، مثل نهج رئيس الوزراء راديف. تركز في حملتها على الدعوة لرفع العقوبات عن روسيا، ومعارضة تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا، مع إعطاء الأولوية لمعالجة “مشكلة الفقر المروعة” محلياً. وتصدرت نتائج الجولة الأولى بنسبة 34.76% من الأصوات.
معسكر أوروبا
أما المنافس غيوروف فهو مرشح مستقل مدعوم بقوة من أحزاب المعارضة الليبرالية والموالية للغرب (مثل ائتلاف “نحن نواصل التغيير” و”بلغاريا الديمقراطية”). يتبنى موقفاً حازماً وداعماً بشدة لأوكرانيا (حيث وقع اتفاقية تعاون أمني مع كييف أثناء رئاسته للحكومة)، ويدفع نحو دمج بلغاريا الكامل والسريع في مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو.
غيوروف يركز خطابه على تعميق التكامل التام مع الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مطالباً بسياسات اقتصادية إصلاحية سريعة واحتواء نفوذ الكرملين في قطاع الطاقة والسوق المحلي. وحل في الجولة الأولى في المركز الثاني بنسبة 31.95%، بفارق ضئيل يقارب 42 ألف صوت فقط عن إيوتوفا.
الاقتصاد والأمن
وفقاً لاستطلاعات الرأي التي أجرتها مراكز أبحاث متخصصة قبل الصمت الانتخابي، فإن قرار الناخب البلغاري اليوم محكوم بملفين أساسيين:
- أزمة التضخم وتكلفة المعيشة: تعاني بلغاريا (بصفتها العضو الأكثر فقراً في الاتحاد الأوروبي) من ضغوط اقتصادية متزايدة. حيث يطالب المواطنون ببرامج دعم حكومية عاجلة ورفع الحد الأدنى للأجور لمواجهة الارتفاع القياسي في أسعار السلع الأساسية والطاقة، وسط تخوفات من تعطل مضي البلاد قدما في خطط الانضمام الكامل لمنطقة اليورو بعد تبني العملة الأوروبية مطلع العام الجاري.
- ظلال الحرب والتهديدات الأمنية في البحر الأسود: تعيش البلاد حالة من القلق الأمني المتصاعد، خصوصا بعد سلسلة الهجمات الأخيرة بطائرات بدون طيار ، التي استهدفت سفن شحن تجارية في البحر الأسود في مياه بلغاريا الإقليمية، وأدت إلى سقوط قتلى ومفقودين. هذا التهديد المباشر للموانئ البلغارية جعل ملف “الأمن القومي والقوة العسكرية” يتصدر قائمة أولويات الناخبين.
مخاوف من “عزوف الناخبين”
تتوقع تقارير أن تكون نسب المشاركة في الاقتراع هي “بيضة القبان” التي ستحسم النتيجة؛ فالبلاد تعاني من حالة “إنهاك انتخابي” بعد خوضها عدة جولات برلمانية ورئاسية متعاقبة في غضون سنوات قليلة دون الوصول إلى استقرار سياسي دائم.
تراقب المفوضية الأوروبية في بروكسل وحلف الناتو هذه النتائج عن كثب، حيث تُمثل بلغاريا حجر زاوية دفاعي واقتصادي هام في الجناح الشرقي لأوروبا، وأي تحول في بوصلتها السياسية قد ينعكس مباشرة على استراتيجيات الأمن الأوروبي المشترك.
ورغم أن بلغاريا تتبنى نظاماً برلمانياً يمنح رئيس الوزراء وحكومته السلطة التنفيذية الإجرائية الكاملة، إلا أن منصب الرئيس ليس شرفياً بالكامل. إذ تكمن أهمية منصب الرئيس في بلغاريا في امتلاكه صلاحيات استراتيجية قادرة على توجيه سياسة البلاد الخارجية وتشكيل المشهد السياسي في أوقات الأزمات.
أهم صلاحيات الرئيس
- قيادة القوات المسلحة: يشغل الرئيس منصب القائد الأعلى للقوات المسلحة البلغارية، وهو ما يمنحه صوتاً مؤثراً في العقيدة العسكرية للبلاد والتعيينات القيادية في الجيش.
- حق النقض: يمتلك الرئيس القدرة على إعادة القوانين إلى البرلمان لإعادة النظر فيها. ورغم أن البرلمان يمكنه تخطي هذا النقض بالأغلبية المطلقة، إلا أن الفيتو الرئاسي يعطل القوانين ويخلق ضغطاً سياسياً وإعلامياً هائلاً.
- تشكيل الحكومات الانتقالية: في حال فشل الأحزاب في تشكيل حكومة (وهو سيناريو تكرر كثيراً في بلغاريا مؤخراً)، يعين الرئيس رئيساً للوزراء وحكومة مؤقتة لإدارة البلاد وإجراء الانتخابات، مما يمنحه سلطة تنفيذية مباشرة ومؤقتة تشكل ملامح المرحلة.
- تمثيل الدولة في الخارج: يمثل الرئيس بلغاريا في العلاقات الدولية ويوقع على المعاهدات الخارجية، مما يسمح له بتشكيل الخطاب الدبلوماسي للدولة.
أهمية المنصب؟
- تحديد البوصلة الجيوسياسية لشرق أوروبا: تمثل بلغاريا حجر زاوية على البحر الأسود وضمن الجناح الشرقي للناتو. وجود رئيس موالٍ لروسيا (مثل إيوتوفا) يعني استغلال منصبه لعرقلة المساعدات العسكرية لأوكرانيا والمطالبة برفع العقوبات عن موسكو في المحافل الدولية. في المقابل، يسعى المعسكر الليبرالي (عبر غيوروف) لتأمين المنصب لضمان انسجام كامل مع سياسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو دون تشويش.
- التحكم في ملف الطاقة والاقتصاد: استخدام الرئيس لصلاحياته الدبلوماسية وحق النقض يمكن أن يؤثر على قرارات مصيرية لبلغاريا، مثل التأثير على السياسات النقدية المستقبلية بعد الانضمام لليورو، ومدى الالتزام التام بالقواعد الصارمة لمنطقة اليورو، أو محاولات التراجع والتباطؤ في تطبيق القوانين المالية الأوروبية المشتركة لحساب برامج دعم محلي يطالب بها المعسكر المحافظ، أو مثل صياغة عقود الغاز والطاقة مع الشركاء الإقليميين.
- الرمزية وحشد الشارع: يُنتخب الرئيس مباشرة من الشعب، مما يمنحه شرعية شعبية قوية و”منبراً خطابياً وثقلاً معنوياً” قادراً على توجيه الرأي العام، أو إحباط خطط الحكومة البرلمانية إذا كانت من المعسكر المعارض له.
الرئيسية

