أيمن حامد بدر
أخبار سعيدة من البرازيل! في حالة أشبه بالمعجزة نجح الرئيس اليساري إيناسيو لولا دا سليفا في قلب الطاولة في وجه مرشح اليمين الشعبوي فلافيو بولسوناور، وانتزع منصب الرئاسة بعدما كان متأخرا في الجولة الأولى التي جرت قبل أسبوعين. هذا الفوز في ظني أنقذ البرازيل الدولة الكبيرة من براثن قادة يتفنون في اهانة المؤسسات والتشكيك فيها، فضلا عن تجاوز الديمقراطية التي أفضت بهم إلى سدة الحكم.
فوز دا سيلفا وجه صفعة كبرى لتيارات اليمين المتطرف وعرابه الرئيس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ حيث سطّر الرئيس البرازيلي عودة دراماتيكية تاريخية غير مسبوقة إلى سدة الحكم بفوزه بولاية رابعة تاريخية كرئيس لأكبر دولة واقتصاد في أمريكا اللاتينية. وجاء هذا الحسم ليعلن رسمياً وقوف البرازيل في “الجانب الصحيح من التاريخ” في معركة الدفاع عن الديمقراطية ومواجهة التطرف الشعبي، وإيقاف موجة المد اليميني التي غيرت من وجه دول مجاورة لا سيما الأرجنتين وكولومبيا وأيضا فنزويلا.
عودة إعجازية في ليلة الحسم
بحسب النتائج الرسمية الصادرة عن المحكمة الانتخابية العليا في البرازيل، نجح الرئيس دا سيلفا (80 عاماً) في حصد 51.79% من أصوات الناخبين (ما يعادل 64,256,232 صوتاً)، متفوقاً بفارق يقترب من 4.4 مليون صوت على منافسه اليميني المتطرف السيناتور بولسونارو—نجل الرئيس الأسبق جايير بولسونارو—الذي حصل على 48.21% من الأصوات.
وتبرز الأهمية التاريخية لهذا الفوز—كما وصفتها شبكة BBC البريطانية—في كون لولا هو أول رئيس في تاريخ البرازيل الحديث منذ العودة للحكم المدني عام 1985 ينجح في قلب الطاولة والفوز بالجولة الثانية (الإعادة) بعد أن كان متأخراً في الجولة الأولى بفارق 2.2 مليون صوت؛ ما مثل عودة سياسية وصفتها الأوساط الدولية بالإعجازية. وذكرت صحيفة The Guardian البريطانية أن قرار المحكمة العليا بترك مراكز الاقتراع مفتوحة لفترة أطول ساهم في تمكين الناخبين من حسم المعركة.
سقوط يمين ترامب اللاتيني
علّقت مجلة TIME الأمريكية على هذا الحدث بتقرير تحليلي أكدت فيه أن فوز دا سيلفا يمثل ضربة قاصمة مباشرة لـ “الترامبية العابرة للحدود” ونكسة كبرى لطموحات الرئيس الأمريكي ترامب في بناء نصف كرة غربي تهيمن عليه حكومات يمينية متطرفة تتماشى مع سياساته.
لقد سعى اليمين البرازيلي واللاتيني، ممثلاً في عائلة بولسونارو، جاهدًا لمحاكاة الأسلوب الترامبي والاستقواء به عبر الارتماء الكامل في أحضان الأجندة الشعبوية لترامب؛ إلا أن وعي الكتلة الناخبة البرازيلية أوقف هذا الزحف. واعتبرت صحيفة The New York Times الأمريكية النتائج بمثابة “توبيخ صارخ” للموجة المحافظة التي حاولت اجتياح القارة، مؤكدة أن هزيمة بولسونارو هي هزيمة للمشروع الذي يقتات على التشكيك في المؤسسات وتزييف الوعي.
وعلى خطى الاستراتيجية الترامبية في التشكيك بالعملية الديمقراطية، رفض المرشح المهزوم فلافيو بولسونارو الاعتراف بالهزيمة فور إعلان النتائج الرسمية وطالب بإلغائها، مدعياً وجود “تلاعب”، وهي الرواية ذاتها التي استخدمها والده سابقاً. وبحسب تقرير صحيفة الجارديان، فإن أجواء المقر الانتخابي لبولسونارو في برازيليا تحولت سريعاً مما يشبه حفل عيد ميلاد إلى سرادق عزاء مع هروب الضيوف والمؤيدين قبل نهاية فرز الأصوات.
انتصار الديمقراطية وإنقاذ الكوكب
وفي خطاب النصر قال الرئيس المنتخب دا سيلفا أمام الحشود المبتهجة في ساو باولو: “لقد انتصرت الديمقراطية.. هذه الانتخابات كانت هزيمة لتيارات الإنكار والظلامية والكذب، وأعدكم بأن الفاشية والديكتاتورية لن تعود مجدداً إلى البرازيل”.
تداعيات هذا الفوز تتجاوز بالطبع الداخل البرازيلي إلى أبعاد بيئية وجيوسياسية عالمية؛ حيث أكد معهد Chatham House البريطاني للشؤون الدولية أن فوز لولا يحمل عواقب عميقة لملف المناخ العالمي وحماية غابات الأمازون المطيرة.
وكانت وزيرة البيئة السابقة مارينا سيلفا قد حذرت من أن فوز اليمين سيعني استكمال “المشروع التدميري الممنهج” للأمازون، بينما يعطي فوز لولا الآن ضمانة دولية للحفاظ على أراضي السكان الأصليين وحمايتها من المنقبين غير القانونيين.
ويمكن القول إن فوز لولا دا سيلفا يثبت مجدداً أن البرازيل اختارت أن تنأى بنفسها عن التبعية لليمين الشعبوي المتطرف، لتستعيد مكانتها الطبيعية كقوة توازن عاقلة تحمي الديمقراطية والمستقبل البيئي للعالم.
الرئيسية






