كتب أيمن حامد بدر:
مصر مجددا على موعد مع التاريخ. اليوم يعلن برلمان الوطن مساندته للمملكة العربية السعودية حكومة وشعبا في صدها العدوان الحوثي الغاشم. باختصار العبارة: السعودية منا ونحن منها. رغم أي شيء ورغم كل شيء! نقاشات الليلة في البرلمان المصري بعد دعوة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليست مجرد ترف سياسي أو قراءة بروتوكولية في دفاتر العلاقات الدولية؛ بل استدعاء لوعي تاريخي وجيوسياسي واكتشاف حقيقي للحظة فارقة. إن ما يهدد حدود المملكة اليوم من اعتداءات حوثية متهورة، ليس مجرد أزمة حدودية عابرة في جنوب جزيرة العرب، بل هو طعنة في خاصرة الأمن القومي العربي، تفرض على القاهرة السير بصلابة نحو خندق الدفاع المشترك، لا كحليف سياسي فحسب، بل كشقيق يرى في انكسار جاره التواءً لظهره. هذا السير الحثيث له رصيد كبير إنساني واقتصادي واجتماعي. ما بيننا وبين المملكة وشعبها كبير رغم حقد الحاقدين!
بين يدي الحرمين: وعي الروح وعقيدة الدفاع
مواقف مصر وشعبها وبرلمانية من السعودية تنطلق اليوم من خلفية تتجاوز الحسابات المادية الضيقة؛ فالمملكة في وجدان المصريين ليست مجرد دولة شقيقة أو حليف اقتصادي، بل هي “أرض الحرمين” وقبلة الأمة الروحية التي تهوي إليها الأفئدة كل يوم خمس مرات. إن العاطفة المصرية تجاه بلاد الحرمين هي عاطفة متجذرة في الدين والتاريخ، عاطفة تجعل المواطن المصري—قبل قيادته—يرى في أي تطاول على ثرى المملكة مساساً مباشراً بمقدساته وعقيدته.
نعم، مساندة السعودية في صد هذه الاعتداءات الغاشمة تنبع من مسؤولية تاريخية وأخلاقية، تدرك من خلالها مصر أن حماية استقرار بلاد الحرمين وطهارة أرضها هي صمام أمان للهوية الإسلامية والعربية في مواجهة مشاريع التفتيت والعمالة والعبث الإقليمي التي يحاول الحوثيون ومن يقف وراءهم فرضها على المنطقة بقوة السلاح.
وجه السعودية الآخر: شعبٌ يفيض مرحاً وعشقاً للحياة
وفي عمق هذا التضامن، أود التصريح أنني من أشد المعجبين بالروح السعودية الجديدة التي تشع شبابا وحيوية منذ انطلاقة رؤية 2030 بقيادة ولي العهد النشيط الأمير محمد بن سلمان. هذه الرؤية وما رافقها من عمل دؤوب ساهمت في تغيير النظرة النمطية القاصرة التي حصرت الإنسان السعودي لسنوات في قوالب جامدة؛ فخلافاً لتلك الصورة السلبية البدائية، ينبض المجتمع السعودي بروح مدهشة من المرح والشغف بالحياة. إنه شعب يمتلك حس دعابة فريداً، ويجيد صناعة النكتة والابتسامة حتى في أصعب الظروف. يتجلى ذلك بوضوح في حراكهم الثقافي المعاصر، حيث يقف الشباب السعودي اليوم كمتذوقين وصنّاع للفن، الموسيقى، والسينما، ومبدعين في شتى مجالات الابتكار الرقمي والأدبي. إن هذا التوق الجارف للمستقبل، والقدرة الفائقة على المزج بين أصالة التراث والاحتفاء ببهجة الحياة المعاصرة، يجعل من الشعب السعودي مجتمعاً حيوياً ومحباً ومرحاً وواعدا، يستحق من كل مبدع عربي وعالمي أن ينظر إليه بعين الإعجاب والتقدير والإنصاف.
حين يمتزج الوفاء بـ “رد الجميل”
وإذا كان البعد الروحي يقود العقل المصري، فإن البعد الإنساني والاجتماعي يملأ القلب بالامتنان والتضامن. لعقود طويلة، كانت المملكة واحة أمان ومصدر رزق شريف لملايين الأسر المصرية. في قراها ومدنها، بنى المعلم والمهندس والطبيب والعامل المصري طموحات عائلته، وامتزجت دماء العمل السائل بعرق البناء على أرض المملكة، في علاقة تكافلية نادرة جعلت الشارع المصري والشمال الخليجي نسيجاً واحداً يجمعه نسب ومصاهرة وعيش مشترك.
اليوم، والمملكة تواجه تهديدات تستهدف أمنها واقتصادها واستقرارها، فإن مشاعر “رد الجميل” تطل برأسها كواجب أخلاقي قبل أن تكون التزاماً سياسياً. إن دماء العروبة والتاريخ المشترك بين البلدين لا يمكن أن تصبح ماءً، والوقوف مع الرياض في هذه اللحظة هو التعبير الأسمى عن الوفاء لشراكة صمدت أمام أعاصير السياسة، وتأكيد على أن مصر لم تكن يوماً ولن تكون شقيقاً يتخلى عن أخيه وقت الشدة.
المصير المشترك وأمن البحر الأحمر
لقد أعادت جلسة البرلمان الليلة التذكير بحقيقة جغرافية وسياسية لا تقبل الجدل: إن النيران التي تحاول جماعة الحوثي إشعالها لا تقف عند حدود نجران أو جازان، بل تمتد ألسنتها لتهدد الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وهو ما يمس شريان الحياة الاقتصادي لمصر المتمثل في قناة السويس. إن الدفاع عن السعودية دفاع عن مصر، وصياغة الردع المشترك ضد هذه الاعتداءات هو الضمانة الوحيدة لإبقاء المنطقة عصية على الاختراق الإقليمي.
إن المصير المشترك بين القاهرة والرياض كُتب بحبر التاريخ المعمد بالمواقف المشتركة، وما خرج من تحت قبة البرلمان الليلة هو رسالة واضحة لكل عابث: أن مصر، بجيشها وشعبها وعمقها، تقف بصلابة خلف أرض الحرمين الشريفين، وفاءً للماضي، وحمايةً للمستقبل. عاشت مصر والسعودية، ودامت المحبة والأخوة بيننا ما دامت السماوات والأرض!
الرئيسية






