مضت شهور بعد الضربات المتبادلة بين أمريكا وإسرائيل ضد إيران. واعتاد العالم الأمر. ضربات أمريكية وتصعيد، ثم عودة للمفاوضات. عواصم كثيرة تتحرك ودول عديدة تتوسط، ولقاءات هنا وهناك وسط تهديدات متبادلة. أحيانا تسود نبرة تفاؤل حذرة، لكن سرعان ما تبروز الخلافات والوعيد.
واللافت أنه حين يتابع القارئ العربي تفاصيل الحروب والنزاعات الكبرى حول العالم، تنصرف ذهنيته نحو نماذج الصراع التقليدي؛ مثل الغزو الروسي الأوكراني حيث يدور الخلاف الصريح علناً حول احتلال الأراضي، أو التنازل عن جغرافيا الحدود، أو رسم خرائط ديموغرافية جديدة بالدبابات. لكن، حين يتعلق الأمر بـالمفاوضات الشرسة والمستمرة خلف الكواليس بين أمريكا وإيران، فإننا نقف أمام نوع مختلف تماماً من “الهندسة السياسية”. هنا لا توجد أراضٍ محتلة ليتم التنازل عنها، ولا حدود برية مشتركة ليتم التنازع عليها، مما يطرح السؤال الجوهري الأهم: بعد كل هذه الشهور من الحرب الباردة والضربات المتبادلة والوساطات الإقليمية، على ماذا يتفاوض الأمريكيون والإيرانيون تحديداً؟
أولاً: بورصة المخصب.. معركة الزمن والخطوط الحمراء لوول ستريت
الموضوع الأول والأساسي الذي يمثل قلب هذه المفاوضات هو “الجدول الزمني لتخصيب اليورانيوم” وحظر القنبلة الموعودة. واشنطن لا تفاوض طهران على الانسحاب من مدينة أو قرية، بل تفاوضها على “المدى الزمني” لتجميد طموحاتها النووية في منشآت فوردو ونطنز.
والصدمة الحقيقية خلف الكواليس هي الصراع الرقمي الشرس؛ حيث يعرض الجانب الإيراني تجميداً لبرنامج التخصيب بنسبة 60% لمدة 5 سنوات فقط مقابل رفع فوري وشامل للعقوبات الاقتصادية الخانقة، في حين يضغط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وإدارته لفرض تجميد صارم وممتد يصل إلى 20 عاما كاملة، مع تسليم المخزون الحالي من اليورانيوم المخصب عالي النقاء لطرف ثالث أو تصفيته، وهو ما تراه طهران مساساً مباشراً بـسيادتها وأوراق قوتها الإستراتيجية.
ثانياً: شريان النفط والملاحة.. من يملك مفتاح مضيق هرمز؟
إذا كان النزاع في شرق أوروبا يدور حول السيطرة على حقول القمح وممرات البر، فإن النزاع هنا يدور حول “الأمن اللوجستي لشرايين الطاقة العالمية”. الأمريكيون يفاوضون إيرادات النفط من أجل ضمان فتح مضيق هرمز ووقف الهجمات التي تشنها الفصائل الحليفة لطهران (مثل الحوثيين في البحر الأحمر) والتي تسببت في رفع أسعار التأمين البحري وشحن البضائع حول العالم وتأجيج التضخم الدولي.
إيران ترفض التنازل عن إدارتها ومراقبتها للمضيق باعتباره ورقة الضغط الوجودية الأخيرة التي تحمي نظامها السياسي من السقوط، وتطالب برفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على صادراتها النفطية وإصدار إعفاءات رسمية تتيح لها بيع خامها للأسواق العالمية دون قيود، في مقابل ضمان سلامة السفن التجارية الدولية.
ثالثاً: المليارات المجمدة.. من يحكم “صناديق إعادة الإعمار”؟
الملف الثالث الذي لا يقل شراسة هو “الأموال والتعويضات المالية”. تتفاوض طهران على الإفراج العاجل عن أرصدتها المالية المجمدة في البنوك العالمية والتي تقدر بنحو 100 مليار دولار بسبب العقوبات الأمريكية، وتطالب بـجدول زمني لتدفق هذه الأموال لإنعاش اقتصادها المحلي، الذي يعاني من معدلات تضخم قياسية تسببت في تهاوي العملة المحلية وإلغاء بعض رحلات الطيران الدولية.
في المقابل، يطرح الأمريكيون فكرة معقدة لإعادة الإعمار تبلغ قيمتها 300 مليار دولار كـ “خطة مارشال إقليمية” لـتطوير الاقتصاد البنيوي الإيراني وتأمين الملاحة، على أن يتم تمويل نصف هذا الصندوق مستقبلاً من عوائد النفط الإيراني نفسه وتحت رقابة دولية وصناديق خليجية، وهو مقترح ترفضه طهران وتراه محاولة من واشنطن لفرض وصاية مالية طويلة الأجل على مقدراتها الوطنية والتحكم في ميزانيتها الداخلية.
الخلاصة
المفاوضات الأمريكية الإيرانية تثبت أن الحروب الحديثة لم تعد تدور حول مساحات التراب والحدود الجغرافية، بل باتت معارك إستراتيجية تتمحور حول “السيادة والسرعة والتكنولوجيا والمال”. واشنطن تحارب لمنع ولادة قوة نووية تعيد ترتيب أوراق الشرق الأوسط وتطالب بـ “أفعال لا كلمات”، بينما تحارب طهران بوعي وصمود من أجل بقاء نظامها السياسي، وكسر الطوق المالي، وتثبيت نفوذها الإقليمي دون تقديم تنازلات مجانية. لكن يبدو بعد هذه القراءة أن هذه الحرب ستطول وأن المعاناة ستتواصل في غياب رغبة الأطراف في التوصل إلى يعيد المنطقة الى مربع الاستقرار مجددا.
الرئيسية






