أيمن حامد بدر
الغلاء والتضخم والموازنة.. أبعاد أزمة فرنسا
تواجه فرنسا اختبار صعب وأزمة شاملة ضربت كل جوانب الحياة هناك. كانت البداية احتجاجات طلابية على تدهور مستوى التعليم، غير انها اتسعت لتشمل الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي بعد دخول قوى المعارضة الحلبة، وسط اتهامات للحكومة الفرنسية بتنفيذ سياسات مالية تزيد من معاناة المواطنين. من جانبها تطالب المعارضة بإسقاط مقترحات خفض الإنفاق في موازنة العام المقبل، والدعوة الى انتخابات نيابية مبكرة، فيما تطالب قوى الاحتجاج بإلغاء ضرائب الوقود وكبح التضخم، فضلا عن ضخ استثمارات في البنية التحتية وخصوصا التعليمية. تباين عميق في الرؤى تزيد من حدته اضطرابات الشارع والعنف والنهب المرافق لها. والجميع في فرنسا ينتظر ما ستؤول إليه الأحداث في السبت المقبل، الذي يبدو أنه يحمل في طياته تعميق أزمة فرنسا والرئيس ماكرون.ولفهم طبيعة هذا الانفجار الاجتماعي، يستعرض هذا التقرير الأبعاد الـ 5 التي تشكل جوهر الصدام الميداني والسياسي في باريس الحالية:
1. المشهد الأمني: حظر تجول جزئي ومحاولات لاحتواء الشارع
أفردت صحيفة لو موند مساحات واسعة لتغطية الإجراءات الإدارية الاستثنائية التي لجأت إليها الحكومة الفرنسية. فبعد عطلة نهاية أسبوع وُصفت بأنها حوّلت وسط العاصمة باريس ومدينتي مرسيليا وليون إلى ساحات حرب شوارع، فرضت السلطات حظر تجول جزئياً ومحلياً يبدأ من الساعة 8 مساءً وحتى الساعة 6 صباحاً في عدة بلديات شمالي البلاد وفي مدينة ليون. ورغم أن وزارة الداخلية أكدت عودة هدوء حذر إلى الشوارع بفعل هذه القيود الصارمة، إلا أن الحصيلة الرسمية تظل ثقيلة؛ حيث بلغت التوقيفات نحو 2400 حالة اعتقال، وإصابة قرابة 1000 عنصر من قوات الأمن.
2. النطاق الجغرافي: من ضواحي المدارس إلى مراكز المدن
أشارت التقارير في صحيفة لو فيغارو إلى أن شرارة الغضب الحالية انطلقت بالأساس من حراك طلابي محلي في الضواحي الشمالية لباريس، احتجاجاً على تدهور أوضاع المدارس ونقص المعلمين. لكن هذا الحراك سرعان ما اندمج مع بقايا حركة السترات الصفراء ونقابات العمال الرئيسية، ليتسع إلى انفجار اجتماعي وطني شارك فيه أكثر من نصف مليون شخص. ورصدت وسائل الإعلام الفرنسية تدمير ونهب أكثر من 3000 متجر تجزيئي، فضلاً عن إحراق مبنى بلدية مدينة ليموج، وسط تبادل حاد للاتهامات بين الحكومة المركزية التي تلوم جماعات أقصى اليسار والمخربين، وبين رؤساء البلديات الذين انتقدوا ضعف الجاهزية الأمنية لحماية المراكز التجارية للمدن.
3. الأزمة السياسية: ماكرون يرفض الاستقالات ويغادر إلى الخليج
سياسياً، وصف المحللون في الصحف الفرنسية الوضع بأنه “أزمة حكم” عميقة يعيشها الرئيس إيمانويل ماكرون في الأمتار الأخيرة من ولايته الثانية. وذكرت وكالات الأنباء الفرنسية أن ماكرون رفض بشكل قاطع قبول استقالة وزير داخليته، مشدداً على ضرورة الحفاظ على استقرار هيكل الجهاز الأمني أثناء حالة الطوارئ، مع توجيه رئيس الوزراء بفرض عقوبات فورية وصارمة على المتورطين في أعمال التخريب. وفي خطوة أثارت انتقادات حادة من أحزاب المعارضة، غادر ماكرون البلاد في جولة دبلوماسية تشمل 4 دول خليجية هي الكويت والإمارات والبحرين وقطر، بهدف تأمين إمدادات الطاقة وتخفيف ضغوط التضخم المحلية. وسلطت الافتتاحيات الفرنسية الضوء على فجوة عميقة بين الرئاسة والشارع، مستدلة بالغضب الشعبي الذي أثارته صور الرئيس وهو يحضر حفل المغنية سيلين ديون في باريس قبل ساعات قليلة من اندلاع أولى شرارات الشغب.
4. التضخم وصدمة تكلفة المعيشة
تركز التحليلات الاقتصادية في الصحف اليومية على أن المحرك الأساسي للأزمة يمتد إلى ما هو أعمق من التجاوزات الأمنية، حيث يكمن في التأكل الحاد للقدرة الشرائية للمواطنين بسبب التضخم وارتفاع أسعار الوقود وتكاليف الطاقة. وبينما تواصل السلطة التنفيذية الدفاع عن سياساتها المالية والبيئية السابقة (مثل ضرائب الكربون على الديزل والبنزين)، يطالب المحتجون بتجميد فوري لأسعار الطاقة وضخ استثمارات ضخمة في الخدمات العامة، مما يضع الإدارة الفرنسية في موقف حرج بين مطرقة أسواق السندات الدولية التي تطالب بخفض الإنفاق وضبط الموازنة، وسندان الشارع الرافض لسياسات التقشف.
5. قلق من سبت غاضب جديد
رغم نجاح حظر التجول الليلي الجزئي في فرض تهدئة مؤقتة خلال الساعات الأخيرة، إلا أن الصحافة الفرنسية تبدي قلقاً واضحاً من عطلة نهاية الأسبوع القادمة. فقد أطلقت التحالفات العمالية، والاتحادات الطلابية، ومجموعات الناشطين دعوات رسمية مشتركة للحشد والتعبئة الوطنية في جولة مظاهرات جديدة يوم السبت المقبل. ويرى المحللون أن نهاية الأسبوع القادمة ستشكل اختباراً مصيرياً وحاسماً للمنظومة الأمنية للدولة لمنع الانتكاس والوقوع مجدداً في دوامة العنف الحضري والنهب التجاري.
مطالب المعارضة في البرلمان:
تكشف التحليلات العميقة المنشورة في صحيفتي لو موند ولو فيغارو أن المشهد في باريس ينقسم حالياً إلى معركتين متوازيتين؛ الأولى سياسية تدار تحت قبة البرلمان من قِبَل الأحزاب المناهضة للرئيس ماكرون، والثانية معيشية واقتصادية ترفعها النقابات وحركة السترات الصفراء والاتحادات الطلابية في الشارع.
تستغل قوى المعارضة بمختلف أطيافها حالة “شلل الحكم” التي يعيشها قصر الإليزيه في الأمتار الأخيرة من ولاية الرئيس الحالي لفرض شروط سياسية قاسية على حكومة الأقلية التي يقودها رئيس الوزراء “سيباستيان لوكورنو”، وتتلخص مطالبهم في 3 محاور:
- إسقاط مقترحات خفض الإنفاق في موازنة عام 2027: تخوض الجبهة اليسارية الموحدة (الجبهة الشعبية الجديدة) واليمين المتطرف (التجمع الوطني) معركة شرسة لرفض خطة الحكومة التقشفية لعام 2027، والتي تتضمن حزمة تخفيضات في الإنفاق العام وإجراءات ضريبية بقيمة 54 مليار يورو لتقليص عجز الموازنة. وتطالب المعارضة بإلغاء البنود الحالية التي تقترح تجميد سلم رواتب موظفي الخدمة المدنية للعام 4 على التوالي.
- إعادة هيكلة الميزانيات وفرض ضرائب على الشركات الكبرى: تضغط أحزاب المعارضة لإعادة توجيه الموارد المالية للدولة؛ حيث تطالب بخفض الإنفاق العسكري والأمني الضخم لصالح دعم قطاعي التعليم والرفاه الاجتماعي، مع فرض ضرائب استثنائية تصاعدية على الشركات الكبرى والمليارديرات لتمويل العجز بدلاً من استقطاعه من جيوب الطبقات المتوسطة والفقيرة.
- المطالبة بانتخابات مبكرة: تتهم المعارضة الرئيس ماكرون بالانفصال التام عن الواقع لإصراره على القيام بجولة خارجية في دول الخليج وقت اشتعال العاصمة، وتطالب الأحزاب بمساءلة الحكومة وتدقيق حسابات المالية العامة للدولة التي وصلت ديونها إلى مستوى قياسي يناهز 3.6 تريليون يورو ما يمثل %119 من الناتج المحلي الإجمالي، ملوحة بسحب الثقة من الحكومة إذا أصرت على تمرير الموازنة دون أغلبية برلمانية، والدعوة لانتخابات نيابية مبكرة.
مطالب الشارع:
خلف غبار معارك الشوارع وحظر التجول، أجمعت التنسيقيات العمالية والحركات الاحتجاجية على “منشور مطالب” موحد يمثل النواة الصلبة للحزمة الاقتصادية التي يمكن أن تدفعهم لإخلاء الميادين، وتتمثل في:
- التجميد الفوري والكامل لأسعار الطاقة والوقود: يطالب المتظاهرون بإلغاء الضرائب الكربونية السابقة على الديزل والبنزين، وفرض تجميد إجباري لأسعار النفط والغاز الطبيعي التي شهدت قفزات حادة متأثرة بالصراعات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، مما أدى لارتفاع التضخم السنوي وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
- الاستثمار الضخم في البنية التحتية للتعليم والخدمات العامة: بدأت الاحتجاجات من ضواحي باريس الشمالية (مثل حي سين سان دوني) للمطالبة بإصلاح المدارس المتهالكة وسد العجز الصارخ في المعلمين. ويطالب الحراك الطلابي والعمالي بضخ ميزانيات فورية للتعليم (الذي تراجع الإنفاق الفيدرالي عليه بشكل حاد منذ عام 2017)، ورفض التنازلات الطفيفة التي قدمتها الحكومة والمتمثلة في وعود بإرسال 3000 معلم فقط دون زيادة الميزانية الفعلية.
- العدالة المالية والديمقراطية المباشرة: ترفع حركة السترات الصفراء مطالب تهدف إلى تحقيق “عدالة ضريبية واجتماعية شاملة” وإصلاح آليات القضاء، إلى جانب المطالبة بإلغاء النظم الرقمية الحالية لتوزيع المقاعد الجامعية والتي يرون أنها تفضل سكان العاصمة باريس وتهمش أبناء الأقاليم والضواحي، مع المطالبة بمنح الشعب حق المشاركة المباشرة في القرارات السياسية الكبرى.
الرئيسية






