مدريد:
لم تكن تتخيل العجوز الإسبانية ماريكارمن أنها ستصبح محور الاعلام في عامها السابع والثمانين! دراما متأخرة ومأساوية قلبت حياتها رأسا على عقب. والعنوان الرئيسي لهذه المأساة الجشع والرغبة في الثراء من شركات استثمارية لا تفكر سوى في الربح، حتى وإن كان على جثة امرأة ربما لم يبق لها في الدنيا إلا القليل!!
في مدريد، يواصل مئات المتظاهرين الإسبان الاعتصام داخل خيامهم المرتجلة في ساحة “بوان ديل سول” في قلب العاصمة، كجزء من حراك شعبي عارم يضم مئات الآلاف من مواطني إسبانيا في 50 مدينة إسبانية كبرى مثل برشلونة، وفالنسيا، وملاجا، وبيلباو، احتجاجاً على الارتفاع الجنوني للإيجارات، وتفشي أزمة الطرد بغض النظر عن أي قيمة انسانية. انفجرت هذه الانتفاضة عقب حادثة طرد مأساوية للمسنة “ماريكارمن” من شقتها التي عاشت فيها لـ 70 عاماً بعد إجبارها على زيادة إيجارها من 500 إلى 2650 يورو.
في البداية كان الحراك مجرد وقفة تضامن من جيران وأصدقاء لمساندة العجوز المسكينة، إلا أنه تحول إلى صراع سياسي مفتوح، بعد فشل البرلمان الإسباني في تمرير حزمة المساعدات الطارئة للمستأجرين، مما دفع رئيس الحكومة بيدرو سانشيز إلى حل البرلمان والدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة في 29 نوفمبر المقبل لإعادة القرار للشعب في مواجهة نرجسية اليمين العقاري!!
تفكيك المشهد
على عكس التصورات التقليدية المكررة في بعض وسائل الإعلام، فإن الأزمة في إسبانيا لا تعود لملفات “الفساد الإداري التقليدي” أو “موجات الهجرة”، بل تنبثق من ثلاثة جذور هيكلية واقتصادية شرسة تسببت في رفع أسعار الإيجارات بنسبة تخطت 84% خلال العقد الأخير:
1. تغول “صناديق الفيكتور ” والاستثمار الأجنبي:
الجذر الأساسي للأزمة يكمن في تحول العقارات في مدريد من “حق إنساني في السكن” إلى “أداة مضاربة مالية” لكبرى شركات الاستثمار وصناديق التحوط العالمية. هذه الشركات تقوم برأسمالها الضخم بشراء عمارات سكنية كاملة، واستغلال ثغرات قانونية لإنهاء عقود المستأجرين القدامى (مثلما حدث مع ماريكارمن)؛ ومن ثم مضاعفة قيمة الإيجار يطرد العائلات من ذوي الدخل المحدود لإحلال مستثمرين أو مستأجرين أثرياء محلهم.
2. “وحش” السياحة ومنصة “إير بي إن بي”
طفرة سياحية عشوائية مرعبة شهدتها العاصمة الإسبانية، حيث فضل ملّاك العقارات تحويل شققهم السكنية من عقود طويلة الأجل للمواطنين إلى تأجير سياحي يومي عبر منصات مثل “إير بي إن بي” لجني أرباح مضاعفة. وتشير تقديرات اتحاد مستأجري مدريد إلى وجود ما يقرب من 400 ألف شقة مخصصة للعطلات السياحية في وقت تعجز فيه عائلات المدينة عن إيجاد مسكن! ورغم مطالبة الحكومة للمنصة بإزالة 66 ألف شقة غير مرخصة، فإن الخبراء يرون أن التمدد السياحي التهم النسيج السكني للمدينة بالفعل.
3. الانعدام الكارثي لـ “السكن الحكومي العام”:
هنا تكمن الصدمة الحقيقية؛ فإسبانيا تقبع في ذيل دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من حيث توفير السكن الحكومي المملوك للدولة، حيث لا تتجاوز نسبة السكن الاجتماعي فيها الـ 2% فقط من إجمالي العقارات. مدينة ضخمة مثل مدريد تحوي 3.5 مليون نسمة ليس بها سوى 10 آلاف وحدة سكنية عامة فقط؛ هذا النقص الفادح في المعروض الحكومي جعل المستأجرين يقعون بالكامل تحت رحمة جشع السوق الخاص والشركات الاستثمارية.
الخلاصة
تؤكد انتفاضة ساحة “سول” أن جيل الشباب الإسباني (الذي بات عاجزاً عن الاستقلال وتأسيس عائلة حتى سن الثلاثين بسبب التهام الإيجار لنصف رواتبه) لم يعد يثق بالوعود الحزبية. الأزمة في مدريد هي جرس إنذار لأوروبا الحديثة بأكملها، تثبت أن “القوانين والدساتير” التي تضمن حق المواطن في المسكن تظل حبراً على ورق ما لم يتم كبح جماح نرجسية رأس المال، وتغول الشركات الاستثمارية على حساب حقوق الإنسان الأساسية.
الرئيسية






