بروكسل
يبدو أن رياح الصراع العاتية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين تضرب بعنفوان سفن أوروبا المتأرجحة بين الأمواج! مأزق وجودي يهدد فكرة الوحدة والكيان بعد أن أبدت دول عديدة رؤيتها القومية الضيقة للهروب من بين فكي وحوش التجارة العالمية. لكن هذه الرؤى النرجسية السياسية، إن صح التعبير، تضرب مفهوم الوحدة في مقتل! وهذا أحد تحديات أوروبا الكبيرة، التي باتت تناضل من أجل استمرار الوحدة، لأن البديل مخيف ومرعب!
انطلقت في العاصمة البلجيكية بروكسل، أعمال القمة الاستثنائية للمجلس الأوروبي بقيادة رئيسه الجديد أنطونيو كوستا وبحضور قادة دول الاتحاد، لمناقشة الأزمة المتصاعدة لميزانية التكتل طويلة الأجل وتداعيات حرب أسعار الطاقة وحمائية الأسواق. وتكشف كواليس الصحافة الغربية والمصادر الأوروبية عن مواجهة وجودية شرسة وصراع أجنحة حاد بين القادة لحماية استقلالهم الصناعي الوطني في مواجهة التمدد التجاري للصين وضغوط الغاز. هذا الانقسام التاريخي يمكن اختزاله في ضرورة الاختيار بين خيار “الاتحاد الفيدرالي” أو خيار “أوروبا الصفقات”.
“مفارقة كوستا” وترويض الخطوط الحمراء الوطنية
تصف المصادر الأوروبية المقربة من أروقة صنع القرار في بروكسل ما يحدث بأنه “اختبار النار” الحقيقي لرئيس المجلس الأوروبي الجديد. كوستا، القادم من خلفية اشتراكية مرنة، يجد نفسه اليوم أمام جدار صلب من الخطوط الحمراء التي تفرضها الحكومات المحلية؛ والمفارقة الصادمة خلف الكواليس هي أن الدول التي كانت تطالب علناً بأوروبا موحدة وجيش اقتصادي قوي، هي ذاتها التي ترفض اليوم التنازل عن يورو واحد من ميزانياتها الوطنية لصالح الصندوق الأوروبي المشترك، مما يضع التكتل أمام رغبة في قيادة العالم جيوسياسياً يقابلها “بخل” تمويلي محلي يهدد بشلل إستراتيجي كامل، والشعار اليوم في عواصم القارة هو “نفسي نفسي”!
المقايضة الإستراتيجية.. السيادة في مواجهة التنين والغاز
لكن ماذا عن الانقسام ورافعي لوائه! مصادر عديدة كشفت عن الانقسام إلى معسكرين تجاريين متناقضين تماماً. المعسكر الأول تقوده ألمانيا التي تعيش رعباً حقيقياً من خسارة أسواق سياراتها ومصانعها في بكين، وتطالب بمهادنة الصين، بينما المعسكر الثاني تقوده فرنسا ودول الجنوب التي تطالب بفرض حمائية جمركية شرسة ومواجهة التمدد الصيني وضغوط الطاقة. هذا الانقسام يعكس حقيقة أن القرار الأوروبي لم يعد اليوم يصاغ بناءً على مفاهيم الأمن القومي المشترك، بل بات رهينة للمصالح التجارية القومية الضيقة لكل دولة.
الخلاصة
تكشف قمة بروكسل أن القارة العجوز لم تعد تحارب اليوم للحفاظ على رفاهية مواطنيها، بل تخوض معركة رمق أخير لإنقاذ ما تبقى من هيبتها ومصانعها الكبرى من التلاشي والانسحاق بين المطرقة الأمريكية والسندان الصيني، في زمن لا يرحم الضعفاء!
الرئيسية






