أيمن حامد بدر
شبح من الماضي
سامح الله وسائل التواصل التي تجعل شخصاً من الماضي مات في ذاكرتك يستيقظ فجأة، ويتواصل معك ويطلب إضافتك ويكتب لك، بل ويطلب لقاءك! هذا ما حدث لي مع زميل قديم من مراحل عمري المزعجة، اسمه سيد وشهرته “تناحة”. وكلمة “تنح” بالعامية المصرية هي الوصف الأدق للشخص الثقيل، البارد، النرجسي المزعج، الذي لا يخطئ أبداً. وربما جاءت الكلمة أصلًا من الفعل الفصيح “نَاخَ”؛ حيث قالت العرب: “ناخَ الجملُ” أي برك وثقل واستقر في مكانه. ويبدو أن المصريين بعبقريتهم اللغوية قرروا تخفيف الفعل بقلب الخاء حاءً، ليصبح “الشخص التنح”، هو ذلك الكائن الذي ينوخ بكامل عُقده النفسية ليستقر رغماً عنك على مراوح قلبك حتى يكسرها. وبالطبع هذه المعلومة “الفونوتيكية” قد تحتاج إلى تدقيق جهابذة اللغة، لكنني أقبلها لأنها تتوافق سيكولوجياً وبشكل مريب مع مشاعري “مهيضة الجناح” في تلك الليلة المظلمة، تحديداً عندما فقدت رباطة جأشي المعهودة وصرخت في الصالة مثل الست شيرين: “جرح تاني.. هو قلبي طاب م الاولاني”.
فخ الشهامة:
هاكم القصة: بعد سنوات طويلة، فوجئت بتواصل منه عبر تطبيق للتواصل اختصر فيه كل شيء قائلاً: “أنا في نفس مدينتك وأبحث عن مكان، وأحتاج منك أن تستضيفني في بيتك لمدة أسبوع”. بدافع من خليط نبل الأصل، والشهامة، والإحراج!، رحبت به وفتحت له باب بيتي، دون أن أدرك أنني فتحت الباب لـ “حقل ألغام نفسي” ضرب سلامي الداخلي في مقتل.
إعلان الحرب
لم تتغير ملامحه؛ نفس الجمجمة الباردة وإن زادتها الصلعة غرابة، والاحساس الوهمي بأهمية الذات. بدأت أزمته من لزمة أقولها دائماً في حديثي وهي: “فاهمني؟”، حيث اعتبرها سيد “تناحة” اتهاماً مباشراً له بالغباء، وهذا ليس صحيحاً والله! وعندما كان النقاش يحتدم حول أي قصة عادية قد تكون من الماضي التليد، كان ينفعل بشدة ويأخذ الموضوع كمعركة شخصية يجب أن تنتهي بانتصاره؛ رأيه وحده هو الصحيح، وجهة نظره يجب أن تسود!.
رسخت الأيام الطويلة تناحته ليصبح شخصية ترفض تماماً أي كلمة نقد أو تصحيح لمعلومة، ويكرر نفس الكلمات بصورة هستيرية لإثبات أنه صح ومظلوم وغير محظوظ دائماً رغم عبقريته. وفي اللحظة التي قررت فيها وضع حد وطلبت منه بوضوح أن يرحل من حياتي، تحول تناحة إلى شخص غريب يبتزني عاطفياً بسيناريوهات مرعبة عن التشرد في الغابات، ومبالغات عن قسوة العالم والمؤامرات المحاكة ضده، لمجرد أنني تجرأت وطالبت بحماية مساحتي الخاصة.
بعد رحيل “تناحة”، قررت نقل هذه التجربة للاستفادة؛ عزيزي القارئ: إذا كان لديك في عملك أو دراستك “سيد تناحة” لا يتقبل النقد ويتحول نقاشه لمعركة شخصية؟ إذا كنت تعاني مع شخص يقلب الحقائق ويصنع سيناريوهات كارثية ليشعرك بالذنب؟ لو كان هؤلاء حولك أو بجوارك!، انت في المكان الصحيح.. اقرأ هذه المدونة قبل أن تعمل لهم حظر نهائي!
تشريح الخدعة
إن السلام النفسي ليس رفاهية عاطفية؛ بل هو المحرك الأساسي لصحتك الجسدية ونقائك الذهني الذي تبني بها مستقبلك. الخضوع للابتزاز العاطفي، تحت أي ظرف من الظروف ومهما كان هؤلاء الأشخاص مقربين أو أصدقاء قدامى، هو بمثابة انتحار نفسي بطيء. عندما ترضخ لتهديدات شخص بالمرض، أو العزلة، أو الكوارث الوهمية لمجرد أن تظل بجانبه، فإنك تحول نفسك إلى رهينة داخل زنزانة من مشاعر الذنب المصطنعة. لا توجد علاقة إنسانية في هذا الكون تستحق أن تدفع ثمنها من استقرارك العاطفي وكرامتك الإنسانية. قوتك الحقيقية تبدأ من قدرتك على قول “لا” حاسمة، ووضع حديد فاصل يحمي عقلك من التآكل.
النرجسي الخفي
في علم النفس المعاصر، يمزج هذا النمط السام احترافياً بين النرجسية الخفية وعقلية الضحية المزمنة، ليتحول المحيطون بهم إلى “مانحين إجباريين للوقود النفسي” مثلما حاول “تناحة”، أن يفعل معي. يرتدي النرجسي الخفي قناع “المستضعف المظلوم”، ويتباهى بحجم المؤامرات التي تعرض لها فيما يُعرف بـ “الفوقية الأخلاقية المبنية على المعاناة”.
ويتغذى هذا النمط على آليتين: الإنكار التام لقلب الأدوار ليصبح الجاني ضحية، والنكد الذي يدور في حلقة مفرغة، أو طبقاً لتعريفي الحصري: (The Endless NAKAD Loop)؛ حيث يُترجم عقلهم أي كلمة كتهديد لكبريائهم الهش، فيعلقون في تكرار الإهانة وسط نحيب مكتوم وهمسات مستفزة تتهمك بإفساد حياتهم، لتشعر حينها -يا صديقي- أنك تعيش ليل نهار في وحدة الحروق الحرجة داخل مستشفى للأمراض الجلدية جراء جحيم الكأبة المتواصل!
ديناميكية الابتزاز:
عندما يشعر المتلاعب النرجسي أن ضحيته بدأت تستيقظ أو تضع حدوداً لحياتها، فإنه لا ينسحب بسلام، بل يفعّل السلاح الأخطر: الابتزاز العاطفي الحاد.
يبدأ المتلاعب بصناعة سيناريوهات كارثية متطرفة سواء صحية، أو أمنية، أو مادية، حيث يلقون بمسؤوليتها بالكامل على عاتقك. الهدف السيكولوجي هنا هو شل القدرة على التفكير المنطقي عبر تحفيز هرمونات القلق والذنب. إنهم يضعونك أمام خيارين زائفين: إما أن تخضع لتلاعبهم وتقبل استنزاف طاقاتك، وإما أن تعيش تحت وطأة شعور خانق بأنك “شخص قاسٍ ومتخلٍ عن الإنسانية يشبه زكي رستم في فيلم “نهر الحب”.
ما النجاة؟
أولا وبوضوح: محاولة نقاش هذه الشخصيات، أو توجيه النصح لها، أو محاولة الاسترضاء بالمادة أو العلاقات، هي محض مضيعة للوقت واستنزاف مجاني للطاقة. هؤلاء يفتقرون نفسياً لـ “الاستبصار الذاتي” يعني بعبارة أخرى “ضائعين”، وبالتالي هم لا يرون في أنفسهم عيباً، بل يرون العالم كله مريضاً، فقم عزيزي بإراحة دماغك. العلاج الوحيد والنهائي في رأيي المتواضع يتلخص في خطوتين:
1. استراتيجية “الوجه البلاستيكي”:
حين تضطرك الظروف المهنية أو الاجتماعية للاحتكاك بهم، كن كالحجر الرمادي صاحب وجه بلاستيكي متين: كن مملاً، محايداً، بلا أي تعبيرات. استخدم ردوداً مقتضبة، جافة، ورسمية للغاية. الشخص النرجسي يتغذى على ردود أفعالك (سواء كانت غضباً أو تعاطفاً)، وحين تحرمه من هذا “الوقود النفسي”، فإنك تصيبه بالخمول وتجبره على البحث عن ضحية أخرى.
2. الرحيل الصامت
أكبر خطأ نقع فيه تقديم “خطبة وداعية” أو محاولة إشعار المتلاعب بالندم قبل الرحيل أو حتى حين تنصحه بضرورة العلاج السلوكي النفسي. هذا يمنحهم مادة جديدة للدراما. الحل الذكي من واقع تجربتي هو الانسحاب الصامت التام وتفعيل الحظر الشامل. الصمت المطبق هو اللغة الوحيدة التي تكسر ألاعيب التلاعب النفسي وتعلن سقوط منظومة الباتريوت الخاصة بهم تماماً.
اشترِ دماغك!
اعلمْ، أيدك الله، أن سنوات شبابك هي أثمن رأس مال تملكه، وهي الوقود الذي تبني به أحلامك وهويتك ومستقبلك الباهر. لا تسمحْ لأي شخص يختبئ خلف قناع المسكنة والضحية أن ينفث سمومه في عقلك، أو أن يسرق منك هذا الشغف والنقاء العفوي.
إن تعاطفك النبيل ونبل أصلك هما ثروة إنسانية غالية، فلا تمنحهما لمن لا يستحق، ولا تفرطْ فيهما لمن يتقن استخدامهما كأغلال يربط بها حريتك وقرارك المستقل. هذا الشخص السام الذي يمتص طاقتك ويحاصرك بابتزازه العاطفي المستمر ليس مسؤوليتك الأخلاقية إطلاقاً؛ فلست مصحة نفسية متنقلة بالمجان، ولست مكلفاً بترميم تشوهات سلوكية وعُقد متجذرة تراكمت عبر عقود طويلة في حياة الآخرين.
عندما تتخذ قرار طرد هؤلاء من محيطك، لا تلتفتْ وراءك أبداً، بل أفرغْ سلة مهملاتك العاطفية بلا تردد أو ندم! ولا تجعلْ مشاعر الذنب الوهمية تهز ثباتك. هذا الحظر الرقمي والشخصي ليس قسوة، بل هو أسمى درجات احترام الذات، والنضج، والشجاعة. إنه إعلان صريح وقاطع بأن عقلك ومساحتك الشخصية ليست ساحات مستباحة للدراما، والنكد، والافتراء الكاذب.
حررْ نفسك اليوم بلا ندم، واستردْ نقاء أيامك وصفاء ذهنك، ونمْ بعمق وسعادة من يملك زمام أمره ويحمي حدوده بقوة وثبات الأسود. إن المستقبل المشرق ينتظر طاقتك الإيجابية وابداعك الخلاق، فلا تتركْ مكاناً واحداً في قاربك لمن يسعى بكل قوته لإغراقه. سلامك النفسي أولاً، ودائماً، وقبل كل شيء في هذا العالم، حتى لو تواصل معك العشرات من شاكلة الأخ سيد “تناحة”.
الرئيسية






