اليابان عالم فريد من نوعه، يسميه البعض “كوكب اليابان” لتفرده وتميزه في كثير من النواحي. ورغم أن المظهر التكنولوجي هو الأبرز، إلا أن الواقع الثقافي الياباني ثري للغاية وضارب بعمقه في جذور تاريخ الآباء والأجداد. لكن المثير حقاً، أن هذا العالم السحري الفريد يتأثر تاريخياً بكائن أسطوري قادم من قلب الحكايات الشعبية؛ وهو الثعلب! نعم، الثعلب “كيتسوني”.
في الوقت الذي تصنف فيه الثقافة العربية والغربية الثعلب كرمز للمكر والخديعة، تحتفظ الثقافة اليابانية بنظرة مغايرة تماماً؛ فهو هناك كائن حكيم، ولطيف، ومحبوب، ومستمع جيد، ورسول وفيّ في الميثولوجيا التراثية للازدهار والمواساة.
من لحاء الشجر إلى صناديق الخشب
تكشف المخطوطات القديمة المحفوظة في معابد “كيوتو” الأثرية، والتي سلطت متاحف غربية مثل المتحف البريطاني الضوء عليها حديثاً، أن هذا التقليد الطريف بدأ قبل مئات السنين، حين كان المزارعون والمسافرون قديماً يتركون رسائل ومطويات صغيرة مكتوبة بخط اليد على لحاء الشجر أو ورق الأرز عند أطراف الغابات، موجهة لـ “الثعالب الحارسة” لطلب الحماية للأقارب والبيوت.
المثير للدهشة، هو أن هذا الطقس التراثي لم يندثر مع تطور التكنولوجيا في بلد التكنولوجيا وعالم الهواتف الذكية، بل تطور ليأخذ شكلاً إنسانياً بامتياز في قلب اليابان الحديثة.
صناديق بريد “تفريغ الهموم”
تنتشر في معبد “فوشيمي إيناري” الشهير وفي قرى يابانية عدة، حتى اليوم،صناديق بريد خشبية صغيرة وضعت إلى جوار تماثيل الثعالب الحجرية الموشحة بالرداء الأحمر لاستقبال الرسائل.
بالطبع لم يعد اليابانيون اليوم يكتبون طلبا لحماية المحاصيل، بل يرسل أطفال وشباب اليابان رسائل غريبة ولطيفة من بينها رسائل اعتذار: عن أخطاء ارتكبوها في حق أنفسهم أو غيرهم ولم يمتلكوا الشجاعة لقولها جهراً، كما يكتبون عن مخاوف العزلة، وضغوطات الدراسة والعمل، والأمنيات المكسورة، والأحلام المهدرة. حالة فريدة من التنفيس والتفريغ!
بمرور الوقت، تحوّلت تلك الصناديق الخشبية الصامتة إلى مستودعٍ آمن لأسرار القلوب المتعبة. هناك، يجد العابرون شجاعةً مدهشة للبوح، وكأن إلقاء الورقة في جوف الصندوق يرفع عن كاهلهم ثقل العزلة والوحدانية الحديثة.
يجمع رهبان المعابد يومياً هذه الرسائل ومن ثم حفظها أو حرقها في طقوس رمزية دون قراءتها، احتراماً لخصوصية مشاعر أصحابها. ويعتقد أهل اليابان أن “الثعلب الحكيم” يجمع هذه الرسائل ليلاً، ويحمل ثقلها الثقيل عن قلوبهم ليعيد إليها السلام والمواساة الروحية.
من صناديق المعابد إلى الرسوم المتحركة!
إذا كنت من عشاق الرسوم المتحركة،الأنمي، فمن المؤكد أنك شاهدت هذا الثعلب التراثي دون أن تدري؛ هو نفسه ثعلب الكيوبي الأسطوري ذو الذيول التسعة «كوراما» المحبوس داخل جسد ناروتو، وهو ذاته البوكيمون الشهير “ناينتيلز”.
هذا الثعلب الخارق ليس مجرد خيال مؤلف، بل هو ذات الحارس المحبوب القادم من أساطير الأجداد، والذي ما زال يفتح كفه ليخبئ فيه الشباب الياباني رسائلهم السرية وأمنياتهم المكسورة!
مهما بلغت البشرية من التقدم التكنولوجي، يظل الإنسان كائناً يبحث بفطرته عن “مستمع طيب” لا يحكم عليه ولا يلومه، حتى لو كان هذا المستمع كائناً آتياً من أساطير الأجداد ومن رحم الحكايات!!
الرئيسية






