هكذا السياسة في أمريكا! شخصيات قد تكون فارغة تماما وبائسة وتعاني من مشاكل عديدة وخلافات أسرية بل وتحتاج إلى علاج نفسي، لكن الماكينة الاعلامية “تتشيطن” لتزيف الواقع وتصورها براقة ولامعة وناجحة، وأن المرشح المحتمل فارس الساحة والمنقذ، والقادر وحده على حماية الحلم الأمريكي!
هناك! ثمة عشق تاريخي متجذر، منذ روما القديمة، لفكرة “الشو” وصناعة الاستعراض؛ حيث تتحول الحقيقة إلى سلعة، ويصبح الكذب استثماراً ذكياً لتلميع الشخصيات وإعادة تدويرها أمام الكاميرات. تحت تلال من الفضائح والخطايا التي تختفي ببراعة خلف الضحكات المصطنعة، والعناقات العائلية الكاذبة، والخطابات الرنانة، يُعاد صياغة المشهد ليصدق الجمهور “الرواية الأجمل” لا الواقع الحقيقي. هذا التزييف الممنهج هو الجوهر المقلق الذي يقدمه فيلم Animals للنجم والمخرج الأمريكي بن أفليك، حيث يخلع قناع الإثارة التقليدي ليأخذنا في تشريح لا يرحم للانتهازية المعاصرة، رغم العيوب الفنية الواضحة.
الطفل الخطأ!
تنطلق الحبكة بقالب مثير للدهشة؛ عصابة من الخاطفين الهواة الباحثين عن المال ينوون اختطاف ابن المرشح لمنصب عمدة لوس انجلوس مارك كيمبل (بن أفليك)، لكنهم يختطفون طفلاً أخر بالخطأ لمجرد أنه كان يرتدي نفس زي الهالوين الذي يرتديه ابن المرشح كيمبل، ويطلبون فدية ٧ ملايين دولار! لكن مارك أنفق كل ماله على حملته دون علم زوجته. مدير الحملة يقترح الاستعانة بوسيط مستعد لدفع الأموال نقدا لكن مع فائدة كبيرة عند ردها. يوافق الزوجان. وعندما تأتي الوسيطة يدخل ابنهما فجأة منهكا ومتعبا. لقد كان يتجول في أحد احتفالات الهالوين مع ابن الخادمة المكسيكسة وهما يرتديان نفس الزي التنكري، لكن العصابة اختطفت الطفل الآخر، وعاد هو إلى منزله سيرا على الأقدام!
هنا يضعنا الفيلم أمام مأزق أخلاقي معقد، هل سيواصل مارك المفاوضات مع الخاطفين ويدفع الفدية انقاذا لطفل ابن مهاجر مكسيكي غير شرعي؟ حسن، الإجابة على هذا التساؤل لم تكن إنسانية بقدر ما كانت امتداداً لثقافة الاستعراض والانتهازية الانتخابية.. اليكم بقية الحبكة في السطور التالية:
يخرج مارك ومعه حقيبة الـ 7 ملايين دولار (التي اقترضها سراً من المصلحة المحترفة “ديل”، الممثلة جوليان أندرسون.
يصل إلى مكان التسليم في قناة تصريف السيول الإسمنتية الجافة في لوس أنجلوس. الخاطفون يرسلون الطفل المكسيكي “هيكتور” في عربة صغيرة لأسفل الممر، ويمسك به مارك.
هنا تنطلق خطة “ديل” البديلة؛ حيث يقوم قناصها بتصفية اثنين من الخاطفين فوراً. لكن يظهر خاطف ثالث غير متوقع، يقتل القناص ثم يطلق النار على “ديل” نفسها ويصيبها إصابة قاتلة.
يصبح مارك والطفل في مواجهة الموت أمام الخاطف الثالث. فجأة، يظهر رامون (والد الطفل الحقيقي والذي تتبع مارك سراً) ويطلق النار على الخاطف الثالث بالبندقية ويقتله، منقذاً حياة ابنه وحياة مارك.
تأتي اللحظة الأكثر خسة من مارك: يجد “ديل” ما زالت تنبض بالحياة، وبدلاً من إنقاذها أو الاتصال بالإسعاف، يمد يده إلى جيبها ويأخذ هاتفها المحمول (الذي يحتوي على أدلة اتفاق القرض، وكذلك اتفاق التصفية الجسدية للخاطفين) ويتركها تموت.
بموت “ديل”، تخلص مارك من رد الـ 7 ملايين دولار ومن دفع مكافأتها (2.8 مليون إضافية)، وأصبحت الأموال ملكه بالكامل.
مارك ورامون يجدان نفسهما أمام جثث وخاطفين وأموال مبعثرة. مارك يعرض على رامون صفقة العمر:
خوف رامون: رامون مهاجر مكسيكي غير شرعي؛ إذا اتصل بالشرطة واعترف أنه قتل مواطناً أمريكياً (حتى لو كان خاطفاً)، فسينتهي به المطاف في السجن أو الترحيل ويخسر ابنه.
مصلحة مارك: مارك يحتاج إلى معجزة سياسية ليفوز بالانتخابات، إذ أن استطلاعات الرأي لصالح خصمه.
الاتفاق: يأخذ رامون وعائلته حقيبة الـ 7 ملايين دولار ويهربون بها إلى المكسيك ليعيشوا كأثرياء في مزرعة كبيرة. في المقابل، يوافق رامون على أن ينسب “شرف قنص الخاطف” لمارك أمام وسائل الإعلام.
وتر العرقيات
الفيلم يتحول إلى مشرط دقيق يكشف قذارة اللعبة السياسية وكيف تُصنع البطولة الزائفة من رحم الأزمات:
يدرك “مارك” (الرجل الأبيض الثري) أن شراء قصة بطولية مزيفة من الأب المكسيكي الحقيقي (رامون) مقابل 7 ملايين دولار، وإظهار نفسه كـ “منقذ شجاع” للطفل المهاجر، هو الذهب السياسي الذي سيضمن له أصوات الجالية ذوي الأصول اللاتينية. ويفوز بالفعل في الانتخابات ويبدأ في التفكير في الترشح للرئاسة!!
تكتمل لوحة النفاق بإظهار حياة مارك الخاصة؛ زوجة سوداء تمنحه مظهر التنوع العرقي والانفتاح أمام الناخبين، بينما تخبئ الكواليس زواجاً بارداً قوامة الخيانة وعدم التوافق.
قمة العبث
السينما هنا تلعب على وتر متناقض جداً؛ فبينما تنهار الشخصيات إنسانياً (مثل ترك مارك للمصلحة “ديل” تموت بدم بارد ليسرق هاتفها ويتخلص من ديونه)، تنتهي المسرحية بمؤتمر صحفي عبثي يقف فيه الأب المكسيكي الفقير ليشهد زوراً لصالح السياسي الفاسد، قبل أن يهرب بالملايين لتأمين عائلته.
يثبت الفيلم أن الجميع في صراع السلطة يتحولون في النهاية إلى “حيوانات” تسعى للبقاء؛ السياسي يكذب لحصد الأصوات، الزوجة تدعي المثالية ولديها علاقة غير شرعية، والمهاجر يتنازل عن فخره مقابل المال. قصة قد تفتقر لبعض الحبكة الإخراجية، لكنها بكل تأكيد نجحت في تقديم تجسيد صادم لعشق “الشو” والانتهازية التي تحكم ذاك العالم اليوم.
اقتباس فاشل
استقبل النقاد الفيلم بحالة من الإحباط كون الفيلم متواضع اخراجيا. ويبدو كما لو تم طبخه على عجل. والواقع أن هذا ما يلخص في كثير من الأحيان حالة الأفلام التي تنتجها المنصات الرقمية ، نتفليكس في حالتنا.
انتقد السينمائيون النص (الذي شارك في كتابته بن أفليك وبيل راي) بعنف، ووصفوه بأنه محاولة رخيصة ومكشوفة لاقتباس تحفة المخرج الياباني أكيرا كوروساوا الكلاسيكية High and Low (1963)، ولكن دون الاحتفاظ بالعمق الفلسفي للعمل الأصلي.
وبعيدا عن المشكلات الفنية التي تحدث عنها النقاد، أعتقد في نهاية الأمر أن الفيلم نجح إلى حد كبير في طرح التصور الحقيقي للعبة الانتخابات والصراع السياسي في أمريكا. صراع غير شريف وملئ بالكذب والنفاق خصوصا في المرحلة التاريخية ما بعد نهاية الحرب العالمية الثانية الى يومنا هذا. لكن ما أحزنني شخصيا وأنا أشاهد الفيلم أن مثل هؤلاء السياسيين المخادعين العنصريين المرضى يتحكمون فيما بعد، بعد اعتلاء مناصبهم، في مصير ملايين البشر حول العالم، ويشنون حروبا عبثية وانتقامية تقتل وتشرد مئات الالاف من الأبرياء مدفوعين بهذا الإحساس الوهمي الكاذب بالشرف، والنزاهة، بل والمعية الإلهية الوهمية. والحجة معروفة: الدفاع عن قيم العالم الحر ضد البربرية! منتهى العبث والسخف!
الرئيسية






