فيلم ينتمي للكوميديا السوداء العابثة! مجاهدة كبيرة للاستمرار في المشاهدة، إذ كان العبث قويا ومفاجئا! بداية صاخبة عن تلميذ مثير للمشاكل ومعلمة تحاول النجاح في مهنتها دون جدوى. “داني” لا يتوقف عن المشاغبة حتى انه كسر ذراع زميلته في الفصل. وعندما حاول تحطيم سيارة المعلمة تصدت له تحت الأمطار، ثم قررت حبسه في قبو منزلها عن طريق المصادفة. لكن ما ألطفها من مصادفة خلفت هدوءا ملحوظا في المدرسة. وبدأ الجميع سعيدا بغياب التلميذ المشاغب. وسرعان ما تعايش الجميع مع الوضع الجديد بسعادة، بغض النظر عن الجريمة والعقاب المستحق!
في عالمٍ يقدس المظاهر والهدوء المزيف، يفتح الفيلم نافذة أمام عشق جماعي للتغطية على الكوارث بدلاً من مواجهتها. تحت تلال من الضغوط اليومية والادعاءات الأخلاقية التي تختفي خلف ابتسامات المعلمين وعناقات أولياء الأمور الكاذبة، يُظهر لنا فيلم Bad Apples للمخرج جوناتان إيتزلر، وبطولة النجمة سيرشا رونان، كيف يمكن لمنظومة مجتمعية كاملة أن تتخلى عن إنسانيتها وبوصلتها الأخلاقية في مقابل الحفاظ على “راحتها الشخصية”.
المفارقة العبثية: قبو المدرسة المظلم!
تنطلق الحبكة من هذه الزاوية شديدة الخصوصية والجنون؛ المعلمة “ماريا” تصل إلى حافة الانهيار النفسي بسبب التلميذ المشاغب. وفي لحظة يأس مطلقة، تتخلى عن صورتها كمعلمة مثالية وتقوم باختطافه وحبسه في قبو بيتها المظلم. هنا، يتوقع المشاهد جريمة جنائية تقليدية، لكن الفيلم ينزلق عمداً نحو قمة العبث والكوميديا السوداء!
تشريح انتهازية المجتمع والصوت العاقل المخنوق
يتحول الفيلم فجأة من جريمة فردية للمعلمة إلى “إدانة ساخرة” للمجتمع بأكمله. في اللحظة التي تكتشف فيها الأمهات والآباء سر المعلمة في “أمسية أولياء الأمور”، تحدث الصدمة! فبدلاً من طلب الشرطة واقتياد المعلمة الى المخفر، يبدأ الجميع بحساب المكاسب! لقد لاحظت الأغلبية كيف تحسن مستوى أبنائهم الدراسي بعدما عددت المعلمة المستويات الرائعة للأولاد بعد اختفاء المشاغب! هدأت المدرسة بعد غياب التفاحة الفاسدة داني. النتيجة؟ يقرر المجتمع التستر على الخطف بل ومساعدة المعلمة لضمان استمرار الهدوء.
تبرز المفارقة الثقافية والسياسية بذكاء عندما يختار المخرج امرأة محجبة لتكون الصوت الإنساني والعاقل الوحيد الذي يثور ويريد إبلاغ الشرطة؛ ليرد عليها المجتمع “المتحضر” بقمعها، وسحب الهاتف منها، وعزلها كلياً لحماية مصالحهم الجماعية المشوهة في لحظة خنق للمرجع الأخلاقي الوحيد القادم من بعيد!
لقطة الختام.. النجاة الملوثة بالفوضى
الأداء الكاريزمي لسيرشا رونان يبلغ ذروته في النهاية؛ حيث نرى تفريغاً فوضوياً مبدعاً لكل الكبت عندما تقرر إهداء أغنية للتلميذ الغائب أثناء الحفل، والجميع يعلم أين هو ومن الذي خطفه!. الفيلم ينتهي دون عقاب قانوني تقليدي، بل تنجح ماريا في الخروج من المأزق بمباركة الأهالي، الذين بدأوا في تقديم الملابس والطعام للتلميذ المحبوس.
ينتقد “التفاحة الفاسدة” بمرارة نظام التعليم البريطاني المنهك (تم تصويره في بريستول وتمت الإشارة فيه إلى ضغوط تفتيش هيئة التعليم). النظام يضغط على المعلمين ويحرم المدارس من الميزانيات الكافية لدعم الأطفال ذوي السلوكيات الصعبة، مما يدفع الأفراد العاديين إلى حافة الجنون والتوحش للحفاظ على وظائفهم.
أشاد النقاد بالتحول السريالي في نهاية الفيلم، حيث لم يكن المجتمع “مغفلاً” أو عاجزاً عن معرفة الحقيقة، بل اختار التعامي الطوعي. المجتمعات الرأسمالية الحديثة مستعدة للتغاضي عن أفظع الجرائم (مثل سجن طفل) طالما أن النتيجة هي “الإنتاجية، والعلامات العالية، والهدوء العام”. الأهالي الذين يقدمون الطعام والدعم للطفل المسجون في النهاية يمثلون قمة النفاق البشري؛ إنهم يشتيرون راحتهم النفسية من خلال التبرع للضحية، بدلاً من إنقاذها، لكي تستمر المنظومة الناجحة في الدوران.
يتلاعب الفيلم بالترجمة الحرفية للمثل الإنجليزي الشهير “One bad apple spoils the barrel” (تفاحة واحدة فاسدة تفسد البرميل بأكمله). في البداية، يُعرض الطفل داني كشر مطلق يفسد بقية زملائه. لكن مع تصاعد الأحداث، يتضح للمشاهد أن البرميل نفسه (البالغين والنظام والمجتمع) هو الفاسد من الأساس، والطفل ليس سوى نتاج لهذا التعفن الهيكلي.
الفيلم يتأرجح بجرأة شديدة بين الدراما النفسية السوداء والكوميديا العبثية الساخرة. هذا التنافر مقصود؛ فهو يجعل الضحك نابعاً من “الصدمة الأخلاقية والاشمئزاز” وليس من الدعابة التقليدية، وهو ما يفسر شعور المشاهد بالذنب والراحة في آن واحد عند مشاهدة لقطة الختام.
الرئيسية






