أيمن حامد بدر
في وقت تستعر فيه المواجهة السعودية اليمنية وسط تصعيد متبادل على عدة جبهات، أرجأ البرلمان المصري قرار الموافقة على طلب الرئيس عبد الفتاح السيسي لمساندة المملكة عسكرياً إلى جلسة الأسبوع المقبل، ٢٦ أكتوبر الجاري، وسط جدل سياسي داخلي صامت حول أبعاد هذا الإرجاء. وفي هذا التقرير نستعرض الأسباب الحقيقية للتريث البرلماني المصري، رغم تصريح الأغلبية البرلمانية بالموافقة على طلب التفويض انطلاقا من المسؤولية تجاه المملكة وشعبها، والسعي لتأمين الممرات الملاحية دفاعا عن المصالح المصرية المباشرة. وهذه الأسباب تتنوع بين ما هو دستوري، واستراتيجي، وكذلك اقتصادي. ملفات بالغة الحساسية تحتاج لنقاش هادئ في سعي حثيث لتسوية الوضع على مستوى الإقليم المشتعل منذ الهجوم الأمريكي على إيران في شهر فبراير الماضي:
1. الوعي بطبيعة الدور الدستوري
أوضحت وكالة رويترز، في تقرير لها، أن الدستور المصري يشترط موافقة أغلبية ثلثي أعضاء البرلمان لإرسال قوات مسلحة في مهمة قتالية خارج الحدود، وذلك بعد التشاور مع مجلس الدفاع الوطني الذي وافق بالفعل على التفويض صباح أمس الأحد. وقد شهدت الجلسات البرلمانية السرية المغلقة نقاشات حامية؛ حيث استحضر المشرّعون والنخب السياسية في مصر بقوة تاريخ التدخل العسكري المصري في اليمن إبان ستينيات القرن الماضي في عهد الرئيس جمال عبد الناصر. وتشير الوكالة إلى أن كتل نيابية داخل البرلمان ضغطت لتأجيل التصويت بهدف الحصول على ضمانات مكتوبة ومحددة لنطاق التدخل، تخوفاً من الانزلاق وراء التزامات عسكرية مفتوحة الأمد وبدون سقف زمني أو أهداف استراتيجية واضحة المعالم.
على جانب أخر، طلب أكثر من 300 نائب برلماني الكلمة للتعبير عن آرائهم وسماع الإيضاحات الحكومية الفنية، مما جعل رئاسة البرلمان تقرر تمديد المهلة لضمان بناء توافق سياسي صلب ومحصن دستورياً بدلاً من التسرع في تمرير القرار.
2. الحسابات المالية المعقد
تكشف القراءة البراغماتية للمصادر الاقتصادية بناءً على بيانات البنك المركزي المصري، عن بعد مالي مباشر ومحوري تزامن مع أسبوع التأجيل؛ إذ تملك المملكة العربية السعودية وديعة مالية حيوية بقيمة ٥.٣ مليار دولار يحل موعد استحقاقها النهائي مع فوائدها البالغة حوالي ٢٦٧ مليون دولار، خلال هذا الشهر (أكتوبر الجاري). ويرى مراقبون أن إرجاء البرلمان للتفويض يمنح القاهرة والرياض مساحة زمنية كافية خلف الكواليس لإتمام الترتيبات الفنية لربط هذا الإسناد العسكري الدفاعي بحزمة تسهيلات اقتصادية وتمديد للودائع لتعزيز استقرار الاقتصاد المصري الشديد الحساسية للتوترات الجيوسياسية.
3. سياق التصعيد الإقليمي
تربط منصة التحليلات الدولية ديفديسكورس بالتعاون مع صحيفة ستريتس تايمز التوقيت الدقيق لطلب التفويض بسياق جيوسياسي أوسع؛ وهو التبعات المستمرة للهجوم الجوي الذي استهدف إيران في فبراير الماضي، والذي فجّر موجة تصعيد إقليمي جديدة دفعت الحوثيين لتكثيف ضرباتهم الصاروخية ومسيراتهم ضد المنشآت الحيوية والنفطية السعودية (مثل استهداف مقر أرامكو ومطار الملك خالد بالرياض). ووفقاً لهذه المصادر، فإن البرلمان المصري يترسخ لديه وعي بأن دخول مصر العسكري يعني رسمياً الانخراط في “النظام الأمني الإقليمي” لمواجهة طهران، مما دفع المشرعين للمطالبة بدراسة دقيقة متأنية لردود الفعل الإيرانية المحتملة تجاه المصالح البحرية والملاحة المصرية.
4. حماية قناة السويس
يركز معهد الشرق الأوسط في واشنطن على أن المحرك الأساسي للتحرك هو “دفاع عن مصالح مصر الذاتية” بالدرجة الأولى. فالحظر البحري والعمليات الحوثية المستمرة في مضيق باب المندب وجنوب البحر الأحمر تسببت في تحويل مسار السفن التجارية، مما كبّد قناة السويس تراجعاً ضخماً في العائدات السنوية تجاوز المليار دولار. ويهدف التريث البرلماني لضمان أن صيغة التفويض العسكري ستحقق حماية حقيقية للملاحة العابرة للقناة وصد التهديدات، دون أن يتسبب ذلك في تحويل البحر الأحمر إلى منطقة حرب دائمة تؤدي لنتائج عكسية وتكبح المستثمرين.
5. تساؤلات المعارضة
سلطت رويرز أيضا الضوء على معطى سياسي داخلي؛ وهو إعلان الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي توجيه نوابه رسمياً بالامتناع عن التصويت في الجلسات المغلقة. ونقلت الشبكة أن مبرر المعارضة المرفوع لرئاسة المجلس هو عدم تقديم الحكومة لكشوف تفصيلية توضح الكلفة المالية المباشرة للتموضع العسكري، والمدى الزمني، وحجم المخاطر المتوقعة على حياة الجنود المصريين. وطالب الحزب بضرورة إفساح المجال للدبلوماسية الإقليمية كما جرى في اتصال وزير الخارجية بدر عبد العاطي مع نظيره الايراني عباس عراقجي للعمل على بحث سبل تسوية سياسية ترضي جميع الأطراف، مما أجبر البرلمان على تعليق الجلسات لمنح الجهات التنفيذية فرصة لتقديم خلفيات تطمينية وافية للكتل الممتنعة قبل جلسة السادس والعشرين من أكتوبر الحاسمة.
الموافقة بعد ترتيب الأوراق
تُجمع الدوائر السياسية على أن مهلة الأسبوع الحالية لن تؤدي إلّا إلى زيادة تماسك القرار البرلماني عند طرحه للتصويت؛ إذ تشير القراءات الاستشرافية إلى أن جلسة الأسبوع المقبل ستنتهي بالموافقة على التفويض بأغلبية ساحقة تتجاوز ثلثي الأعضاء، بعد استيعاب ملاحظات المعارضة وضبط الترتيبات الفنية والاقتصادية الموازية مع الرياض. هذا التأجيل المدروس سيمنح الدبلوماسية ورقة ضغط أخيرة، ويضمن في حال تفعيل الخيار العسكري الدفاعي أن يكون التحرك محصناً بجدار سياسي وقانوني داخلي صلب.
الرئيسية






