تثير الصين الحيرة لدى خبراء الاقتصاد في العالم، يعود ذلك للتناقض الصارخ بين الطفرة الانتاجية الهائلة من جهة والضغط الاقتصادي على الأسر الصينية التي تعاني من تدني الأجور من جهة أخرى. ففي الوقت الذي تدفع فيه مصانع التكنولوجيا الفائقة قاطرة النمو نحو الأمام مستفيدة من شهية عالمية مفتوحة على تقنيات المستقبل، يواجه الاقتصاد الداخلي أزمة صامتة تتمثل في انكفاء حاد للأسر الصينية عن الإنفاق، مما يهدد بتعميق الاختلالات الهيكلية ويعرقل طموحات التنمية المستدامة.
الخارج: قفزة تاريخية مدفوعة ببنية الذكاء الاصطناعي
بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن المكتب الوطني الصيني للإحصاء، نجح الناتج المحلي الإجمالي الصيني في تحقيق نمو بنسبة 4.5%، وهو ما يمثل الحد الأدنى المستهدف للحكومة. هذا الرقم الإيجابي لم يكن ليتحقق لولا المحرك الخارجي الخارق؛ حيث سجلت الصادرات الصينية قفزة قياسية هائلة بلغت 36.3%، ليدفع هذا الفوران الإجمالي بالفائض التجاري للبلاد نحو رقم تاريخي يقترب من 1.2 تريليون دولار.
المفاجأة الاستراتيجية تكمن في طبيعة السلع المصدرة؛ إذ يقود هذا الانتعاش طلب عالمي منقطع النظير على الرقائق الإلكترونية، وأشباه الموصلات، ومعدات الحواسب الفائقة الموجهة لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي (AI Data Centres) حول العالم. ووفقاً للبيانات، ارتفعت مبيعات السلع التكنولوجية المتقدمة في المصانع الصينية بنسبة 14.3%، في حين قفز إنتاج الروبوتات الصناعية وبطاريات الطاقة بنسبة تخطت 29%، مما يثبت أن بكين نجحت في تحويل الطفرة البرمجية العالمية إلى عوائد تصنيعية ضخمة.
الداخل: “انكفاء المستهلك” وتراجع معدلات الثقة
على الجانب الآخر من المشهد، تظهر البيانات الصادرة عن مؤسسات رصد الأسواق الغربية واقعاً داخلياً مغايراً تماماً؛ حيث تعاني الأسواق المحلية من ركود واضح يعكس حالة “الحذر المالي الحاد” لدى المواطن الصيني.
شلل مبيعات التجزئة: في مقابل فوران التصدير، سجلت مبيعات التجزئة المحلية نمواً ضئيلاً ومخيباً للآمال لم يتجاوز 1.1% فقط، وهو ما يعكس إحجاماً جماعياً عن الشراء.
الهبوط الأقوى للائتمان الاستهلاكي: انخفض إقبال الأسر الصينية على القروض قصيرة الأجل المخصصة للاستهلاك بنسبة 8.3%، وهو التراجع الأعنف في تاريخ كشوفات الائتمان الاستهلاكي الصيني منذ فترات الإغلاق الكبرى، مما يشير إلى أن المواطنين يفضلون الادخار الإجباري بدلاً من الاقتراض.
تقليص نفقات المواسم والعطلات: سجل متوسط إنفاق الفرد الصيني خلال العطلات الطويلة الأخيرة انخفاضاً بنسبة 2% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي؛ حيث تحولت ثقافة جيل الشباب نحو “تصفير النفقات الترفيهية” والتركيز فقط على الأساسيات بسبب تدني الأجور وغياب الحماية العمالية القوية.
أزمة سوق السيارات: واجه القطاع ضربة قاسية بانخفاض المبيعات المحلية بنسبة 18.5%، نتيجة إنهاء حزم التحفيز والشراء الحكومية التي كانت تدعم السوق سابقاً.
تلفت الباحثة شيانا يوي من مؤسسة أوكسفورد الأنظار إلى الجانب النفسي والجيوسياسي؛ فالاضطرابات التجارية وأزمة العقارات الطويلة المستمرة جعلت المستهلك الصيني “شديد التشاؤم” حيال المستقبل، فضلا عن تدني الأجور، مما يدفعه لغلق محفظته والادخار بشكل دفاعي، وهو ما يعطل محركات الاقتصاد الداخلي تماما.
الضغط يشتد نحو “التحفيز المباشر”
يرى خبراء اقتصاد أن هذا التناقض الصارخ يضع بكين في حرج بالغ؛ فالاعتماد المطلق على تصدير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي للخارج لن يضمن استدامة النمو على المدى الطويل، إذا ظل نصف الاقتصاد (المتمثل في المستهلك المحلي) معطلاً ومنكفئاً. وتجمع الدوائر المالية الدولية على أن الحكومة الصينية باتت مضطرة لضخ حزم تحفيز مالي مباشر وجريء يستهدف دعم دخل الأسر ورفع الأجور بشكل حقيقي، بدلاً من حصر التمويل في دعم المصانع، لإنقاذ التوازن الاقتصادي الداخلي قبل أن تتحول ظاهرة “المستهلك الصامت” إلى كساد دائم يضرب ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
الرئيسية






